بغداد والبلاد ممن جمعهم الإحسان الصلاحي جمعًا كبيرًا، وكان مجلس صلاح الدين حافلًا بأهل العلم، يتذاكرون في صنوف العلوم، وهو يحسن السماع والمشاركة حتى صار لكثرة مخالطته العلماء وأخذه عنهم كأنه من كبار الفقهاء يضرب في كل علم من علوم الدين بالسهم الصائب مع امتيازه في معرفة التاريخ، وولى بعده العرش في مصر ابنه العزيز عثمان، وهو مثقف، سمع الحديث بالإسكندرية من الحافظ السلفي، والفقيه أبي الطاهر بن عوف الزهري. وسمع بمصر من العلامة ابن بري النحوي اللغوي، وهو الذي رحب بمقدم عبد اللطيف البغدادي إلى مصر، وأجرى عليه من بيت المال ما يزيد على كفايته واستقدم الحسن بن الخطير من القدس، وأغدق عليه حتى أغناه.
فلما جاء العادل ساهم وإن كانت مساهمة قليلة في النهضة الفكرية، فأنشأ بمصر مدرسة للمالكية، وذلك لانصرافه إلى الحياة السياسية، وتثبيت دعائم العرش له ولبنيه، ولكن أبناءه كانوا أكرم الأبناء: نهوضًا بالعلم، وأخذ منه بأوفى نصيب، وتشجيعًا على الاغتراف من مناهله، ورفعًا لقواعد معاهده، فكان الكامل يحب أهل العلم ويؤثر مجالسهم، وبشغف بسماع الحديث النبوي وقد بنى له دار الحديث الكاملية بالقاهرة، وكان يناظر العلماء، وعنده مسائل غريبة من فقه ونحو، يمتحن بها، فمن أجاب عنها قدمه وحظى عنده، ويبيت عنده بالقلعة جماعة من أهل العلم بجانب سريره ليسامروه، فنفقت العلوم والآداب عنده وقصده أرباب الفضائل، فكان يطلق لمن يأتيه منهم الأرزاق الوافرة الدارة، ويجلس كل ليلة جمعة مجلسًا لأهل العلم، ويشترك في المناقشات التي تجري فيه.
أما المعظم عيسى بالشام فكان مأمون بني أيوب، شجع العلماء وأكرم وفادتهم، وشاركهم في التأليف، وكذلك كان ابنه الناصر داود.
واقتدى المماليك بأساتذتهم الأيوبيين، وكانوا هم يزودون بالثقافات التي تؤلههم للوصول إلى مناصبهم، وشهر من بينهم في ذلك العصر الظاهر بيبرس فقد أخذ يقرب النابغين في كل علم وفن، وكان يميل إلى التاريخ وأهله ميلًا شديدًا ويقول: سماع التاريخ أعظم من التجارب.
أما خليل بن قلاوون فكان مثقفًا ثقافة أدبية ممتازة استطاع أن ينقد ما يعرض عليه من المراسيم وأن يصلحها، ويطارح الأدباء بذهن رائق وذكاء مفرط.