من ضوء القمر سقطت عليه من النافذة القريبة، رسولًا من لدن ديانا البارة، أقبل ليقول للإله الأصغر: (مكانك أيها الرامي الحبيب! ماذا جنى عليك هذا الحسن فتسلمه للردى، وتجرعه كأس المنون؟! افتح له ما انغلق من قلبك تنعم به، فأنك لن تجد في ربات الأولمب من تخلص لك الحب كما يخلصه لك هذا الهدف البريء. . .!)
وخطا كيوبيد خطوتين، وحملق في وجه بسيشيه. . . . . .
وبهره الجبين المشرق، والهدب الناعس، والخد الأسيل. . . . وأخذ بلبه هذا الشعر العسجدي تفضض حواشية أضواء القمر فتزيده بهاءً ورونقًا، فإلى لا يهدرن هذا الجمال البارع، وانثنى مسلوب اللب، مشدوه القلب، موزع الفكر؛ وانتزع السهم فألقى به في كنانته. . . وقبل أن يخرج يده الصغيرة الناعمة، شاء القدر أن يخدشها سهم ذهبي من سهام الحب، ملأ كيوبيد هوى وأفعم قلبه صبابة، فتقدم نحو بسيشيه لهفان، يتزود لأوبته من جفنها النعسان وجمالها الفينان
وطبع على الفم الدقيق قبلة دقيقة حلوةً، وعاد أدراجه عاشقًا وامقًا لا يبالي بسخط أمه فينوس!!
وأنصدع عمود الليل، وتنفس الصبح فهبت الأرواح النائمة، وأقبلت فينوس ربة الحب لتسمع إلى النادبات النائحات في قصر الملك. . . . . . بيد أنها، بدلًا من ذلك، رأت بسيشيه، بسيشيه بعينها، تمرح في حدائق القصر، وقد برزت عرائس الماء من الغدران الصافية تحييها وتغني لها، وتضفر لها أفواف الزهر. . .!!
وحنقت ربة الجمال والحب، ونادت بالويل والثبور على ولدها كيوبيد، وأقسمت لتجعلن مباهج الحياة ووضاءتها ظلامًا في عيني الفتاة!!
فسلطت عليها الأشباح تروعها وتفزعها، وأغرت بها خفافيش سوداء جعلت تنوشها وتهاجمها، وسخرت عليها ريح السموم تلفحها وتصهر روحها، فانطلقت المسكينة مذعورة إلى داخل القصر، وطفقت تصرخ وتعول، ولا يدري أحد لماذا تصرخ ابنة الملك وتعول. . . وازدحم حولها أبواها وأخوتها والخدم والحشم ينظرون ويعجبون ولا يكادون يحيرون. . .
ومضوا بها إلى المعبد يستوحون الآلهة، ولكنها ما كانت لتزداد إلا شكاةً وأشجانًا!!