ويحكي (رامونا) القصة المثيرة للتضليل الإعلامي، وكيفية نسج (الأكذوبة الكبرى) التي ارتبطت بحادث تدمير البارجة الأمريكية (ماين) في خليج هافانا عام 1898 م، وهو ما اتخذ ذريعة كي تدخل أمريكا الحرب ضد أسبانيا, ولضم كوبا, وبورتريكو, والفلبين, وجزيرة جوام. وما حدث، أنه في 15 فبراير من ذلك العام تعرضت (ماين) لانفجار عنيف فغرقت البارجة في مرفأ هافانا وعليها 260 رجلًا. وسرعان ما اتهمت الصحافة الأمريكية (المدعومة من رجال أعمال لهم استثمارات كبيرة في كوبا ويحلمون بطرد الأسبان منها) بأنهم دسوا لغمًا تحت هيكل السفينة منددة ببربريتهم ومعسكرات الموت لديهم, وحتى بممارساتهم (كأكلة لحوم البشر) , وفي جو من الحماسة والهوس ومطالبة الصحافة بالثأر من الأسبان أعلن الرئيس (ويلم ماكمنلي) الحرب. وبعد ثلاثة عشر عامًا كاملة استنتجت لجنة تحقيق مستقلة أن وراء تدمير البارجة انفجارًا عرضيًا وقع في حجرة المحركات. فالكذب الذي هو قديم ـ قدم البشرية ذاتها ـ يصبح خطيرًا إذًا، عندما يكون معجونًا بأهواء الساسة الذين يملكون قرار الحرب. وبالأخص عندما يجلس هؤلاء على مقعد السيد الأوحد للعالم الجديد [1] .
لم يقف مسلسل أكاذيب الإدارة الأمريكية عند حد فبركة مسوغات الحرب على العراق، بل امتد إلى الحرب نفسها والمعلومات المضللة والكاذبة, التي كانت تذيعها على وسائل الإعلام، ولكن لما بدأت وسائل الإعلام تكشف هذه الأكاذيب والتضليل المتعمد، شنت الإدارة الأمريكية هجومًا كاسحًا على وسائل الإعلام والصحفيين وكل صوت حر سعى إلى قول الحقيقة، بل وصل الحد إلى اغتيال صحفيين وقصف مقراتهم. وهذا ليس غريبًا من إدارة تتصرف كعصابة سطو مسلح، لا تتوانى عن استخدام أحط الوسائل وأحقرها للوصول إلى أهدافها الدنيئة. بل إن مسلسل الأكاذيب والتضليل والعنصرية وصل إلي أبعد حد من خلال إخفاء الحجم الحقيقي
(1) مذكرات حول واقعة الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) ـ د. عماد الدين خليل ـ ص191