حتى اليوم لدى اليهود، فقد أنشأ حلمًا يهوديًا -ولعله كان في ذلك متأثرا بالصراع على القدس- بقيام دولة لليهود على أرض إسرائيل تحكمها التوراة. وربما هذا هو ما جعل الحرب المقدسة اليهودية تنحو منحى الحرب المقدسة المسيحية، حتى إن الصهاينة المتدينين يبدون كما لو أنهم يستعيدون ويقتبسون النموذج الصليبي، ويبدو أن الحرب الصليبية ساعدت في تشكيل الصهيونية الدينية تمامًا كما أنشأت اللاسامية المعادية لليهود.
وهكذا فقد ارتبطت الفكرة الصليبية ارتباطًا واضحًا ومباشرًا بالنزاع الحالي في الشرق الأوسط، ففي بداية رحلتهم إلى ذات جديدة لهم ذبح الصليبيون اليهود، وفي نهاية حملتهم المرعبة ذبحوا المسلمين في القدس بوحشية تقشعر لها الأبدان، وكان الحقد على اليهود والمسلمين قد انغرس عميقًا في الهوية الغربية، ولولا اللاسامية الغربية لما قامت دولة يهودية في الشرق الأوسط. وقد شهد القرن الثامن عشر حقبة قومية ملتهبة، وظهر اليهودي عدوًا للشخصية القومية، وفي ألمانيا تشكلت قومية قائمة على الشعب وليس الحضارة والمدينة، وهذه الرؤية جعلت اليهودية عدوًا أساسيا للروح الألمانية، فعندما نهض هتلر مرة أخرى كان يقتل أيضًا حتى الذين اعتنقوا المسيحية من اليهود قبل مئات السنين هربًا من المذابح التي ارتكبها قادة الحروب الصليبية. وفي خضم هذه البيئة القومية المحمومة راح اليهود يلتمسون لأنفسهم حلًا قوميًا، وكانت الفلسفة الأساسية للحل القومي هي إعادة الاتصال المادي بأرض آبائهم، ونشأت الحركة الصهيونية [1] .
رغم أن حروب الصليبيون ظاهرة مرتبطة بالتشكيل الحضاري الغربي في العصر الوسيط، فقد ساهمت هذه الحروب وبعمق في صياغة الإدراك الغربي لفلسطين والعرب. ولا يملك الدارس إلا أن يُلاحظ عمق التشابه بين المشروع الصليبي والمشروع الصهيوني الإسرائيلي، وهذا أمر متوقع لأن كليهما جزء من المواجهة المستمرة بين التشكيلين الحضاريين السائدين في الغرب والشرق العربي،
(1) الحرب المقدسة .. الحملات الصليبية وأثرها على العالم اليوم- كارين أرمسترونغ-عرض/ إبراهيم غرايبة