ديفيد رءوبيني، فادَّعى أنه ابن ملك يُدعى سليمان وأخ لملك يُدعى يوسف يحكم بعض الجماعات والقبائل اليهودية في خيبر بالقرب من المدينة المنورة. وقد أخبر رءوبيني البابا أن أخاه يتبعه ثلاثمائة ألف جندي مدربين على الحرب وأنهم لسوء الحظ ينقصهم السلاح، وطلب إلى البابا تزويدهم بما ينقصهم حتى يمكنهم طَرْد المسلمين من فلسطين. وقد استقبله البابا استقبالًا حسنًا في بادئ الأمر، بل نجح في مقابلة ملك البرتغال وفي التأثير عليه. وفي تصوُّرنا أن هذه هي أول مرة يتحول فيها المشروع الصليبي للفرنجة إلى مشروع صهيوني وتقبل فيها المؤسسات الغربية استخدام المادة البشرية اليهودية المقاتلة بدلًا من المادة المسيحية. وقد تركت حروب الصليبيون تأثيرًا عميقًا في إدراك الوجدان الغربي لفلسطين أو العرب، فأصبحت فلسطين الأرض المقدَّسة التي لابد أن تُسترجَع ليُوطَّن فيها عنصر مسيحي غربي، وأصبح العرب (أهل فلسطين) هم الغرباء الذين يجب استبعادهم. وقد أصبحت هذه الصيغة هي الصيغة التي تمت علمنتها فيما بعد لتصبح الصهيونية [1] .
من المعروف تاريخيًا ان الصليبيين، عندما احتلوا بيت المقدس، جمعوا يهود المدينة في الكنيس، ثم احروقوهم فيه احياء [2] ، حيث كانت الحروب الصليبية قائمة أساسًا على معاداة السامية، وبدأت بمهاجمة اليهود والسعي للقضاء عليهم، وكانوا يخيرون بين التنصر والموت. وقبل أن تتحرك الجيوش الصليبية إلى الشرق كانت مشغولة بتطهير أوروبا من اليهود قتلة المسيح، وجعل الصليبيون من اللاسامية مرضًا غربيًا لا شفاء منه استمر متلبثًا في الغرب طوال العصور الوسطى. وفي تلك الأثناء تدفقت الهجرة اليهودية إلى الشرق هربًا من مذابح الصليبيين، وجاء موسى بن ميمون إلى مصر مع والده وكان طفلًا في الخامسة من عمره، فتعلم الطب هناك وبرع فيه، وصار طبيب صلاح الدين الأيوبي، كما كان أيضا أحد أهم المراجع الدينية
(1) الموسوعة الصهيونية - د. عبد الوهاب المسيري المجلد السادس ص 106
(2) فلسطين الفكر والكلمة- د. محمود السمرة- ص10، الدينيةار المتحدة للنشر، بيروت، 1974 م.