فهرس الكتاب

الصفحة 847 من 1191

لكي نفهم أكثر مظاهر الرعونة والعنجهية التي تحكم سلوك الولايات المتحدة الأمريكية, التي وقعت في قبضة أصولية المحافظين الجدد تجدر بنا العودة إلى (فرانز فانون) الذي حين كتب (بشرة سوداء .. أقنعة بيضاء) , كان يدرك أن الانفجار لن يحدث لحظتها، لعل الوقت كان متقدمًا جدًا أو متأخرًا جدًا, كما أومأ هو بنفسه إلى ذلك. ولم يكن الرجل يدعي التواضع أو يتظاهر به، وإنما كان يتصرف كأي عالم حقيقي لا يركن إلى اليقين أبدًا:"أنا لا أصل البتة مسلحًا بحقائق حاسمة .. وعيي لا تخترقه ومضات جوهرية". لكنه يرى، وبكل صفاء، أنه من المفيد أن تقال بعض الأمور, وهو يحلل كيف يتصرف الرجل الأبيض، الذي خلق لنفسه دومًا صورة المنتصر والفاتح والمنقذ، إزاء البشر الآخرين من الملونين والسود؟ ثم يحلل كيف يتصرف هؤلاء الملونون والسود تحت وقع ذلك الشعور بالانسحاق الذي جلبه لهم الأبيض السكران بنشوة التفوق؟.

إن الأمريكيين هم الشعب الوحيد الحديث، تبعًا لأقصى ما تتيحه ذاكرة إنسان، الذي (كنس) عن الأرض, التي استوطنها السكان الأصليون. يمكن لنا العودة إلى النص المدهش (لمحمود درويش) (الخطبة الأخيرة للهندي الأحمر) لندرك هول الكارثة. و (فانون) يرى أن أمريكا وحدها كانت تستطيع أن تكون ذات إحساس قومي بالخطأ وتسعى للاعتذار عنه، لكنها لم تختر هذا السبيل، إنما سعت لتهدئته من خلال اختراع صورة الهندي الأحمر السيئ، لكي تتمكن لاحقًا من إعادة إدراج للصورة التاريخية لصاحب البشرة الحمراء, الذي يدافع بلا نجاح عن ترابه الذي خلق من عجينته بمواجهة الغزاة المسلحين بكتب مقدسة وبناءة.

بعد ذلك بقرون سيأتي الفتيان السود يرددون في المدارس نشيد: (آباؤنا الغاليون) وهو نشيد يتماهى مع المستكشف، مع الرجل الذي يزعم أنه جلب الحضارة، جلب الحقيقة (البيضاء) تمامًا، صافية. يراد من هؤلاء الفتيان نسيان أن تلك الحضارة البيضاء إنما شيدت بعرق ودماء أجدادهم. فالآباء الغاليون في النشيد ليس هم أولئك الأجداد, ولا أولئك الهنود الحمر الذين أبيدوا عن بكرة أبيهم تقريبًا لحظة أتى المغامرون البيض بحثًا عن الذهب في العالم الجديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت