فهرس الكتاب

الصفحة 840 من 2776

ثم قال لقهرمانه: احمل إلى الحسين نصف ما أملكه من فضّة وذهب، وثوب ودابّة، وأخبره أنّي شاطرته مالي، فإن أقنعه ذلك، وإلّا فارجع، واحمل إليه الشّطر الآخر.

فقال له القيم: فهذه المؤن التي عليك من أين تقوم بها؟ قال: إذا بلغنا ذلك دللتك على أمر يقيم حالك.

فلما أتى الرسول برسالته إلى الحسين قال: إنّا لله، حملت والله على ابن عمي، وما حسبته يتّسع لنا بهذا كلّه. فأخذ الشّطر من ماله. وهو أوّل من فعل ذلك في الإسلام.

ومن جوده: أنّ معاوية أهدى إليه وهو عنده بالشام من هدايا النّيروز حللا كثيرة، ومسكا، وآنية من ذهب وفضّة، ووجّهها مع حاجبه، فلمّا وضعها بين يديه نظر إلى الحاجب، وهو ينظر إليها، فقال: هل في نفسك منها شيء؟ فقال:

نعم، والله إنّ في نفسي منها ما كان في نفس يعقوب من يوسف عليهما السلام!

فضحك عبيد الله، وقال: فشأنك بها فهي لك. قال: جعلت فداك، أخاف أن يبلغ ذلك معاوية فيجد عليّ. قال: فاختمها بخاتمك، وارفعها إلى الخازن، فإذا حان خروجنا حملها إليك ليلا.

فقال الحاجب: والله لهذه الحيلة في الكرم أكثر من الكرم، ولوددت أنّي لا أموت حتى أراك مكانه، يعني معاوية، فظنّ عبيد الله أنّها مكيدة منه. قال: دع عنك هذا الكلام، فإنّا قوم نفي بما وعدنا، ولا ننقض ما أكّدنا.

ومن جوده أيضا: أنّه أتاه سائل، وهو لا يعرفه، فقال له: تصدّق فإنّي نبّئت أنّ عبيد الله بن العباس أعطى سائلا ألف درهم واعتذر إليه.

فقال له: وأين أنا من عبيد الله؟ قال: أين أنت منه في الحسب أم كثرة المال؟

قال: فيهما. قال: أمّا الحسب في الرجل فمروءته وفعله، وإذا شئت فعلت، وإذا فعلت كنت حسيبا.

فأعطاه ألفي درهم، واعتذر إليه من ضيق الحال، فقال له السائل: إن لم تكن عبيد الله بن عبّاس فأنت خير منه، وإن كنته، فأنت اليوم خير منك أمس! فأعطاه ألفا أخرى، فقال السائل: هذه هزّة كريم حسيب، والله لقد نقرت حبّة قلبي، فأفرغتها في

قلبك، فما أخطأت إلّا باعتراض الشدّ من جوانحي (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت