فهرس الكتاب

الصفحة 158 من 459

للتصنيف والبحث والتأليف، فأبدعوا وأكثروا من إنتاجهم العلمي والأدبي، وقد اشتهر عن خلفاء العصر العباسي الأول، حبهم للعلم وتعظيمهم وإجلالهم للأدباء والعلماء، فسهلوا نزوحهم إليهم، وأجروا لهم الأرزاق، وبالغوا في إكرامهم وقربوهم وجالسوهم واكلوهم وحادثوهم، وعولوا على ارائهم، فلم يبق عالم أو أديب إلا ويمم دار السلام ونال جائزة أو هدية أو راتبا [1] .

وكتب التراث مليئة بصور هذا التكريم والإجلال الذي أحاط به حكام ذلك العصر أهل العلم وسبق أن تعرضنا لذكرها [2] .

وكان بلاط الخلفاء والولاة والحكام أيضا مركز مناظرات ومحاورات علمية فقد جرت في مجالس الرشيد والمأمون حلقات واسعة للجدال والمناظرة والندوات العلمية، وقد كفلت الحرية العقلية إلى أبعد غاية ممكنة حيث كان كل رأي يعرض للمناقشة حتى اراء الزنادقة، مما يدل على رقي الحياة العقلية في ذلك العصر.

ومما ساعد على نشاط حركة التصنيف والتأليف التي امتاز بها ذلك العصر استخدام الورق الذي أدخل صناعته الفضل بن يحيى البرمكي إلى بغداد في عهد الرشيد فقد كان سابقا يكتب على الجلود والقراطيس [3] مما سهل نشر الكتب ونسخها، واتخذ العلماء لأنفسهم الوراقين وأصبح للوراقة سوق خاصة بها.

وانتشرت المكتبات التي تؤمن الكتاب لطالبيه مثل (مكتبة دار الحكمة) التي عنيت بالكتب المترجمة وغيرها منذ عهد الرشيد، وذكر أنه كان ليحيى بن خالد البرمكي مكتبة عامرة لا يوجد بها كتاب إلا وله ثلاث نسخ [4] ومكتبة الواقدي المتوفي 207هـ قيل إنها كانت تضم 600صندوق مملوءة بالكتب [5] .

وكان من أهم أسباب ازدهار الحركة العلمية والأدبية أيضا الاتصال الخصب بين الثقافة العربية وثقافات الأمم الاخرى، وكان هذا الاتصال عن طريقين: طريق المشافهة مع المستعربين وطريق النقل والترجمة الذي بلغ أقصى مداه أيام العباسيين بفعل تشجيع

(1) تاريخ اداب اللغة العربية جرجي زيدان 1/ 326.

(2) انظر الصفحة 96من هذا الكتاب في مجال الحديث عن حركة التدوين في العصر العباسي.

(3) التاريخ العربي والمؤرخون. شاكر مصطفى 1/ 7170.

(4) الحيوان، الجاحظ 1/ 60.

(5) الفهرست النديم ص 144.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت