نشطت وازدهرت في العصر العباسي الأول حركة التدوين عند المسلمين وذلك لأسباب عديدة منها: أن الإسلام منذ البداية حض المسلمين على العلم ودفعهم إلى البحث عن المعرفة، فتعمق حب التعلم لديهم، ونمت الرغبة العلمية في نفوس الناس، فأصبح حرص الأفراد شديدا على معرفة تاريخ أمتهم وأمجادها وسير أبطالها والوقوف على أخبارها، بالإضافة إلى اهتمامهم بما لدى الأمم التي فتحوا بلادها من ثقافات متباينة نقلوها عن طريق الترجمة لمؤلفات من مختلف الثقافات يونانية وفارسية وهندية وغيرها ونشأت طائفة من العلماء والأدباء الذين نوعوا معارفهم تنويعا واسعا ونهلوا من مختلف ألوان المعرفة، وانتشرت حلقات العلم في المساجد الموزعة وبكثرة في أصقاع [1] بلاد الإسلام المختلفة وأصبح مبدأ الرحلة في طلب العلم أمرا لازما وواجبا لكل طالب انذاك.
وكان لتشجيع الخلفاء والوزراء ورعايتهم للعلماء والإنعام عليهم بالعطايا والهدايا، الأثر الكبير أيضا في ازدهار حركة التأليف والتصنيف، فمثلا كان الخليفة المهدي مقصد العلماء يشدون إليه الرحال من كل بلدة [2] . وذكر كمثال على تكريم الخليفة هارون الرشيد العلماء أنه وصل الأصمعي بخمسمائة ألف درهم [3] . والخليفة المأمون كان كالغيث المنهمر على أهل العلم إذ قيل أنه أعطى النضر بن شميل وهو لا يزال أميرا بمرو خمسين ألف درهم وكان كل من يترجم كتابا في عهده يأخذ وزنه ذهبا [4] .
ولم يكن هذا حال الخلفاء وحدهم بل نافسهم في ذلك الوزراء، كالبرامكة الذين بالغوا في رعاية العلماء والإنفاق عليهم فقد روي أن جعفر البرمكي وصل الأصمعي أيضا بخمسمائة ألف درهم [5] وكذلك كان حال القواد فقد وصل طاهر بن الحسين مؤلفنا القاسم بن سلام بألف دينار ثم عاد فوصله بثلاثين ألفا، وأجرى عليه ابنه عبد الله بن طاهر عشرة الاف درهم في كل شهر [6] .
(1) العصر العباسي الأول. شوقي صيف ص 98، 101.
(2) انباه الرواة القنطي 2/ 34.
(3) الطبري 6/ 541.
(4) انباه الرواة 2/ 349.
(5) المصدر السابق 2/ 201199.
(6) المصدر نفسه 3/ 16.