إذ كل حيّ نابت بأرومة ... نبت العضاة فماجد وكسيد
نعطي العشيرة حقها وحقيقها ... فيها نغفر ذنبها ونسود [1]
وبعد مجيء الإسلام بقيت هذه الشروط ملزمة وواجب توفرها في الفرد الذي يتم اختياره خليفة المسلمين وإمامهم، مع الاهتمام بالشرط الأول والأساسي ألا وهو النسب ولكن بعد الإسلام أصبح التفاخر بالنسب على أساس القرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وبناء عليه تكون الأولوية في إمامة المسلمين، مما فتح باب الصراع على مصراعيه بين بطون قريش من جديد وخاصة بين بني أمية وبني هاشم، ثم بين بني هاشم وبني العباس فيما بعد فكان له الأثر الكبير على مسار أحداث التاريخ الإسلامي.
هكذا عاش العرب في الجاهلية على شكل قبائل متنافرة لا يعرفون فكرة الأمة، وإنما كل ما هنالك قبيلة يربط بين أبنائها رباط النسب، كل قبيلة تتعصب لأفرادها تعصبا شديدا وإن كانوا ظالمين ولما جاء الإسلام جمع قبائل العرب تحت لوائه وألف بين قلوبهم وأكد ذلك قوله عز وجل {إِذْ كُنْتُمْ أَعْدََاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوََانًا} [2] . ونقلهم من طور الوحدات السياسية المتعددة القائمة على النظام القبلي إلى طور الوحدة السياسية القائمة على نظام الدولة، فتفتحت براعم الشعور القومي وأحست شتى القبائل العربية بقوميتها الجامعة فقد خاطبهم الله عز وجل بقوله {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ} [3] . وتكوّن من العرب أمة كانت فيها كل خصائص الأمة: من وحدة ولغة ودين وميول، ومن وجود حكومة مركزية على رأسها، قوية عزيزة الجانب.
فخضعت القبائل لحكم النبي وأوامر القران بعد أن كانوا يدينون لرؤساء متفرقين فأبطل هدر الدماء وألغي حق الثأر وعقابيله وأصبح ذلك منوطا بالدولة لا الفرد والقبيلة. وكان حماس العربي شديدا للإسلام وبذل النفس واستبسل في سبيله حتى دانت قبائل العرب في غالبيتها له وأصبحت ترى في الإسلام رمز وحدتها وشعار مجدها وعزتها. إذن ضعف شأن القبيلة وحل محلها فكرة الأمة وعلا السلطان الإلهي على السلطان القبلي وعلى كل شيء، وأصبحت الرابطة الدينية هي التي توحد بين الناس وليست رابطة القبيلة والعصبية
(1) المفضليات الضبي القصيدة رقم 104.
(2) سورة ال عمران الاية (103) .
(3) سورة ال عمران الاية (110) .