فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 459

النسب، فحاولوا الانتقاص من قدر العرب والتجريح بأصلهم، وهنا كان لا بد للعرب من صد هذه الهجمات العنيفة ضدهم وضد أصالتهم، فكان النسابون يقفون في الصف الأول مدافعين عن الأصل العربي والنسب العربي.

وهكذا نجد أن ازدياد الاهتمام بالنسب والحرص عليه كان نتيجة الظروف التي تمخضت عنها الفتوح، فنمو الشعور القومي عند العرب والوقوف في وجه ردات فعل الشعوب المغلوبة بالإضافة إلى اتساع أراضي الدولة الإسلامية وكثرة الموارد التي دفعت الخليفة عمر لتأسيس ديوان العطاء واعتماده على أساس النسب والقرابة من رسول الله في توزيع الأموال على الأفراد، وما تبعه من بروز العصبية القبلية نتيجة الانقسامات السياسية التي حدثت في صدر الإسلام، كل ذلك ساعد على إبراز أهمية النسابين والنسب أكثر.

تجلّت فيه العناية بالأنساب بشكل واضح وهذا ما نلاحظه من اهتمام الخلفاء والرعية بهذا العلم على حد سواء، وذلك يعود لأسباب كثيرة، فبالإضافة إلى انقسام المجتمع الإسلامي إلى عرب متميزين وموال تابعين، بدأ التفكك يدب أيضا في صفوف العرب الفاتحين أنفسهم، إذ انقسموا إلى فريقين: فئة مقاتلة بحق تعمل في جيوش الدولة والفئة الثانية ظلت تسمى مقاتلة ولكن أصبحت مواطنة لا علاقة لها بالجندية وتمثل هذا الانقسام على وجه الخصوص في عرب الشام وعرب العراق وظهرت عصبية الأمصار واضحة بالإضافة إلى العصبية القبلية التي أطلت برأسها من جديد وشجعها على ذلك الأحزاب السياسية التي نتجت بفعل الصراع على الخلافة بين بني هاشم وبني أمية حيث استتبع ذلك انقسامات قبلية موازية لكل حزب، وكان يكفي أن يكون سيد القبيلة مع معاوية مثلا لتصبح كلها أموية الهوى، أو يكفي ان يكون مع علي فتصبح عشيرته كلها علوية المنزع، وسبب ذلك كثيرا من الحروب والصدام بين القبائل وكتب التاريخ الإسلامي مليئة بتفاصيل أحداث تلك الحروب التي أثيرت بفعل العصبية القبلية، وفي أيام الأمويين اتخذ هذا الصراع صورة واضحة وتحدد بالنزاع الذي قام بين عرب الشمال وعرب الجنوب أو بين مضر واليمن، وكان الخلفاء، لا يتورعون عن المشاركة في تلك

(اللعبة) السياسية الخطيرة، سياسة توازن القوى بين القبائل بل كانوا أنفسهم هم الذين يديرونها لمصلحتهم فنراهم ينضمون إلى القيسية أحيانا وإلى اليمنية حينا اخر، وكان معاوية أول من بدأ السير في هذا الطريق ثم سار خلفاؤه من بعده على هذا الخط السياسي نفسه فمثلا عندما تولى يزيد بن عبد الملك الخلافة انحاز إلى جانب القيسية وناصرهم ضد اليمنية ونكل بال المهلب (1) (اليمنيين) الذين أخلصوا في خدمة بني أمية وأبلوا بلاء حسنا في القضاء على فتن الخوارج والخراسانيين والخزر والترك وعين مكانهم ولاة من القيسية التي علت كلمتها في عهده، ولما توفي خلفه أخوه هشام بن عبد الملك الذي خاف من ازدياد نفوذ القيسية عزلهم وولى مكانهم عمالا وولاة من اليمنية أمثال خالد بن عبد الله القسري (2) زعيم اليمانية وغيره من الولاة الذي أخذوا ينكلون وينتقمون من القيسية. ولما ازداد نفوذ اليمانية أيضا اضطر الخليفة هشام إلى الانحياز إلى جانب المضرية وولى منهم العمال والولاة أمثال يوسف بن عمر الثقفي ونصر بن سيار (3) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت