وهو كتاب جليل القدر، من الكتب الرائدة في بابها، أثنى عليه العلماء في كل زمان وقيل إن أول من سمع هذا الكتاب من أبي عبيد المحدث يحيى بن معين وأنه لما عرض هذا الكتاب على الإمام أحمد بن حنبل استحسنه وقال: جزاه الله خيرا [1] .
وقال فيه أبو سليمان الخطابي المتوفي 388هـ: «صار كتابه إماما لأهل الحديث، به يتذاكرون وإليه يحاكمون» [2] .
وذكرت الروايات، المصادر التي اعتمد عليها أبو عبيد في تصنيفه هذا الكتاب، وهي كتب لأبي عبيد معمر بن المثنى والأصمعي وقطرب والأخفش والنضر بن شميل ولكنهم لم يأتوا بالأسانيد وقد أوضحنا ذلك سابقا وعمل أيضا أبو عدنان النحوي البصري كتابا في غريب الحديث وذكر فيه الأسانيد وصنفه على أبواب السنن والفقه إلا أنه ليس بالكبير، فجمع أبو عبيد غاية ما في كتبهم وفسره وذكر الأسانيد وصنف المسند على حدته وأحاديث كل رجل من الصحابة والتابعين على حدته وأجاد تصنيفه فرغب فيه أهل الحديث والفقه واللغة لاجتماع ما يحتاجون اليه فيه [3] .
وفي رواية تلميذه المسعري قال: قال أبو عبيد «قضيت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة، وربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال أضعها في موضعها من الكتاب فأبيت ساهرا فرحا مني بتلك الفائدة، وأحدكم يجيئني فيقيم عندي أربعة أو خمسة أشهر فيقول قد أقمت الكثير» [4] .
وقد استخرج أبو عبيد نفسه من هذا الكتاب (كتاب الأجناس من كلام العرب وما
(1) انباه الرواة 3/ 16.
(2) مقدمة كتاب (غريب الحديث) .
(3) انباه الرواة 3/ 14، طبقات المفسرين 2/ 35، مخطوطة تاريخ دمشق م 14الورقة 162، مراتب النحويين ص 93، معجم الأدباء 16/ 255.
(4) طبقات الحنابلة ص 191تاريخ بغداد 12/ 407، لقد أورد القفطي هذه الرواية في كتابه انباه الرواة عن كتاب (غريب الحديث) 3/ 16، وذكرها نفسها أيضا عند حديثه عن كتاب (الغريب المصنف) 3/ 22 ومصادر أخرى ذكرت ذلك أيضا ونعتقد أن ذلك يرجع إلى اضطراب الرواية، وهذا الخبر يناسب (الغريب المصنف) أكثر ما يناسب (غريب الحديث) لأن الأول يحوي على كثير من الأبواب المتداخلة كان أبو عبيد يفرح حقا عندما يجد كلمة ما سمعها تصلح لوضعها تحت أبواب الكتاب بعكس (غريب الحديث) الذي رتبه بحسب الأسانيد فمن السهل ان يجد كل حديث طريقة إلى مكانه دون صعوبة ما.