من خلال الصفحات السابقة، تعرفنا على الجوانب الهامة في حياة أبي عبيد وارتسمت في نفوسنا صورة مضيئة ومشرقة عن هذا العالم الفاضل، الذي وهب الناس العلم، وأفادهم وشغلهم على مر العصور.
ولنستمع إلى علماء عصره يحدثوننا عنه بما يزيد ذكره في النفوس تعظيما وإجلالا ومحبة.
فقد قال حمدان بن سهل: «سألت يحيى بن معين عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع عنه، فتبسم وقال: مثلي يسأل عن أبي عبيد؟ أبو عبيد يسأل عن الناس، لقد كنت عند الأصمعي يوما، إذ أقبل أبو عبيد، فشق اليه بصره حتى اقترب منه فقال: أترون هذا المقبل؟ قالوا: نعم، قال: لن تضيع الدنيا أو لن يضيع الناس ما حيي هذا المقبل» [1] .
وقال إبراهيم الحربي: «أدركت ثلاثة لن يرى مثلهم أبدا، تعجز النساء أن يلدن مثلهم رأيت أبا عبيد القاسم بن سلام، ما مثلته إلا بجبل نفخ فيه روح ورأيت بشر بن الحارث فما شبهته إلا برجل عجن من قرنه إلى قدمه عقلا، ورأيت أحمد بن حنبل، فرأيت كأن الله جمع له علم الأولين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما يشاء» [2] .
وقال الجاحظ فيه: «ومن المعلمين ثم الفقهاء والمحدثين، ومن النحويين والعلماء بالكتاب والسنة والناسخ والمنسوخ وبغريب الحديث، وإعراب القران، وممن جمع صنوفا من العلم أبو عبيد القاسم بن سلام، وكان مؤدبا لم يكتب الناس أصح من كتبه ولا أكثر فائدة» [3] .
وسئل أبو قدامة عن الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد فقال: «أما أفهمهم فالشافعي، إلا أنه قليل الحديث، وأما أورعهم فأحمد بن حنبل وأما أحفظهم فإسحاق وأما أعلمهم بلغات العرب فأبو عبيد» [4] .
(1) تاريخ بغداد 12/ 414، طبقات الشافعية 2/ 155، نزهة الألباء ص 98.
(2) تاريخ بغداد 12/ 414، نزهة الألباء ص 97، مخطوطة تاريخ دمشق ابن عساكر م 14الورقة 161.
(3) تاريخ بغداد 12/ 411، انباه الرواة 3/ 19، طبقات النحويين ص 217، معجم الأدباء 16/ 255.
(4) تاريخ بغداد 12/ 410، انباه الرواة 3/ 18، نزهة الألباء ص 95.