اقتضتها بيئة العرب في الصحراء. فجاهدت ضد كل ما هو عربي وسعت إلى إبادته بأسلحة شتى، عملت على تفكيك وحدة العرب السياسية والاجتماعية، ونشرت أفكار الشك وعادات المجون وغير ذلك من أسلحة خطيرة حاربت بها الإسلام لارتباطه بالعرب والعروبة. «فنشأ بعد الفتح حروب من نوع جديد: كانت هناك حرب بين الإسلام والديانات الاخرى وبين اللغة العربية واللغات الاخرى، وحرب بين النظم الاجتماعية العربية البسيطة والنظم الاجتماعية الفارسية والرومية، وحرب بين الامال العربية وبين امال الأمم الاخرى، فقد كان في الفرس من يحن إلى مملكته القديمة ويعتقد أنها أرقى من العرب والروم كذلك» [1] فأصبحت أراضي الدولة الإسلامية كلها موطن قتال وساحة معارك وفتن، وكانت الحرب سجالا، إلا أن العروبة والإسلام خرجا منتصرين في نهاية المطاف، وولدت بعد هذا المخاض العسير دولة إسلامية عربية أكثر قوة ومنعة، فسادت اللغة العربية جميع الممالك وانهزمت أمامها اللغات الأصلية للبلاد، وصارت هي لغة السياسة والعلم، وانتشر الاسلام في ربوع الأقطار المفتوحة واعتنقه غالبية السكان، وانصهرت الشعوب المغلوبة في بوتقة العرب الفاتحين وارتبطت معهم برابطة الولاء، امتزجت معهم وذابت فيهم اجتماعيا وفكريا أيضا فالعرب لم يدمروا حضارات البلاد التي فتحوها ولم يقفوا منها موقف الرفض أو العداء بل أخذوا ما هو صالح من قيمها وأصولها وما لا يتعارض مع الروح العربية والإسلامية ثم صنفوا مع شعوب هذه البلدان ذلك المزيج الحضاري الجديد الذي تكون من فكر الإسلام الشاب النقي وروح العروبة المتوثبة، والمواريث الحضارية الصالحة للبلاد التي فتحوها فخرجت الحضارة الإسلامية العربية إلى الوجود وتولد عنها ذلك النور الساطع الذي أضاء أصقاع العالم وفي أقل من قرن من الزمان وبالتحديد في نحو ثمانين عاما صنعت الفتوحات العربية دولة موحدة امتدت حدودها من الصين في الشرق إلى الأندلس والأطلسي في الغرب ووقف الذين أرّخوا الحروب البشرية وفتوحات الإسلام أمام عظمة هذه الفتوحات وسرعتها ونضج ثمرتها مندهشين وقالوا: لقد حقق العرب في ثمانين عاما أكثر مما حقق الرومان في ثمانية قرون. وهذا النجاح العظيم هو الذي دفع أعداء العروبة والإسلام انذاك إلى شن هجوم عنيف أعمى، قاده دعاة الشعوبية وأتباعهم ضد الفاتحين وكان أول سيف استلوه في هجومهم موجها إلى إباء العربي وعزته وموضع فخره، ألا وهو
(1) فجر الإسلام ص 84.