ضاعت ولم يبق منها شيء، ويظهر أن أهل الأخبار لم ينقلوا صورها بل أخذوا الأسس التي قام عليها هذا التسجيل للأنساب وهي من حيث ترتيب الأهمية اعتمدت على:
1 -أساس النسب والقرابة من رسول الله قبيلة بعد قبيلة.
2 -أساس السابقة في الإسلام وحسن الأثر في الدين.
3 -التفضيل عند انقراض أهل السوابق في الشجاعة والجهاد [1] .
وهكذا نجد أن الركن الهام الذي أنشىء على أساسه ديوان العطاء كان يعتمد على النسب ومن هنا يتضح لنا الأثر الكبير الذي أحدثه تأسيس هذا الديوان في مسيرة تطور علم النسب عند العرب، فقد كان لتصنيف الناس حسب قبائلهم وأصولهم القوة الفعالة التي دفعت النسابين بنشاط لتدوين الأنساب وتصنيف القبائل حسب أجذامها واتباعهم للترتيب الذي وضع على أساسه ديوان العطاء كان له الأثر الكبير في تثبيت الأنساب عند العرب في صدر الإسلام، وقلل ذلك من الاضطراب الذي كان يقع في النسب بسبب الاختلاط واشتداد حرص القبائل على تدوين أنسابها في جرائد والعمل على حفظها والتفاخر بها على أساس الترتيب المتبع ساهم عن طريق غير مباشر في بروز العصبيات بشكل أوضح. وحدد معالم الأصول القبلية ضمن رابطتين قويتين هما العدنانية والقحطانية.
وسار المسلمون على هذا الأثر في تقسيم العرب إلى أصلين أو جذمين كبيرين، ولكن لا بد أن يكون لهذا التقسيم أصل قديم كان متبعا يرجع إلى ما قبل الخليفة عمر أقره وجعله أساسا في التقسيم الذي بقي مرعيا، أو متعارفا عليه بين النسابين.
ولم تكن هذه التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي أحدثتها الفتوحات العربية وحدها المؤثرة على علم النسب، فقد كان للعامل السياسي التأثير المباشر في تحديد إطار هذا العلم وخروجه إلى ساحة الحضارة العربية الإسلامية مكونا أحد فروعها الثقافية. فبعد الفتح وجد العرب أنفسهم وجها لوجه أمام حضارات مستقرة، وتحديات من شعوب الأراضي التي فتحوها خاصة وأنه برز من تلك الشعوب فئة نظرت بكيد إلى العرب، واعتبرت حكمهم ونصرهم ضربا من سخرية القدر، وأنه لا بد من الثأر منهم، والازراء بكل ما هو عربي حتى ولو كان لغة أو فكرا أو طعاما أو لباسا أو عرفا أو عادة
(1) فتوح البلدان ص 437تاريخ الدولة العربية يوليوس فلهاوزن ص 517.