(ج1/ 59)
وعِضَهَة، وعِضَهٌ، واصلها عِضْهَة. وَقَالُوا فِي الْقَلِيل عِضُون، وعِضَوات، فأبدلوا مَكَان الْهَاء الْوَاو. وَقَالُوا فِي الْجَمِيع: عِضاه.
هَذَا تَعْلِيل أبي حنيفَة، وَلَيْسَ بذلك القَوْل. فَأَما الَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْفَارِسِي، فَإِن عضة المحذوفة، يصلح أَن تكون من الْهَاء، وَأَن تكون من الْوَاو. أما استدلاله على إِنَّهَا تكون من الْهَاء، فبمَا نرَاهُ من تصاريف هَذِه الْكَلِمَة، كَقَوْلِهِم عضاهٌ، وإبل عاضهة. وَأما استدلاله على كَونهَا من الْوَاو، فبقولهم عِضَوات، قَالَ: وَأنْشد"سِيبَوَيْهٍ":
هَذا طَرِيق يأْزِم المآزِما ... وعِضَوات تَقْطَعُ اللَّهازِما
قَالَ: وَنَظِيره سنة، تكون مرّة من الْهَاء، لقَولهم سانهت، وَمرَّة من الْوَاو، لقَولهم سنوات واسنتوا، لِأَن التَّاء فِي اسنتوا، وَإِن كَانَت بَدَلا من الْيَاء، فاصلها الْوَاو، وَإِنَّمَا انقلبت يَاء للمجاوزة.
وَأما عِضاه فتحتمل أَن يكون من الْجمع الَّذِي يُفَارق واحده بِالْهَاءِ، كقتادة وقتاد، وَيحْتَمل أَن يكون مكسرا، كَأَن واحدته عِضَهَة.
وَالنّسب إِلَى عِضَه: عِضَوىّ وعِضَهىّ. فَأَما قَوْلهم عِضاهىّ فَإِن كَانَ مَنْسُوبا إِلَى عضه، فَهُوَ شَاذ النّسَب، وَإِن كَانَ مَنْسُوبا إِلَى العِضاه، فَهُوَ مَرْدُود إِلَى وَاحِدهَا، وواحدها عِضاهة، وَلَا يكون مَنْسُوبا إِلَى العِضاه الَّذِي هُوَ الْجمع، لِأَن هَذَا الْجمع، وَإِن أشبه الْوَاحِد، فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ جمع، أَلا ترى أَن من أضَاف إِلَى تمر فَقَالَ تمرى، لم ينْسب إِلَى تمر، إِنَّمَا نسب إِلَى تَمْرَة، وَحذف الْهَاء، لِأَن يَاء النّسَب وهاء التَّأْنِيث يتعاقبان.
وبعير عاضِه: يرْعَى العضاه، وناقة عاضهة، وعاضِه، كَذَلِك. وبعير عَضِه: يكون الرَّاعِي للعِضاه، والشاكي من أكلهَا، قَالَ:
وقَرُّبوا كلَّ جُماليٍّ عَضِهْ
قَرِيبةٍ نُدْوَته من مَحْمَضِه
قَوْله:"كل جمالي عَضِه": أَرَادَ كل جمالية، وَلَا يَعْنِي بِهِ الْجمل، لِأَن الْجمل لَا يُضَاف إِلَى نَفسه، وَإِنَّمَا يُقَال فِي النَّاقة جمالية، تَشْبِيها لَهَا بالجمل، كَمَا قَالَ ذُو الرمة:
جُمالِية حَرْفٌ سِنادٌ يَشُلُّها
وَلكنه ذكره على لفظ"كل"فَقَالَ: كل جمالي عَضِهْ.
قَالَ الْفَارِسِي: هَذَا من معكوس التَّشْبِيه، إِنَّمَا يُقَال فِي النَّاقة جمالية، تَشْبِيها لَهَا بالجمل، لِشِدَّتِهِ وصلابته وفضله فِي ذَلِك على النَّاقة، وَلَكنهُمْ رُبمَا عكسوا فَجعلُوا الْمُشبه بِهِ مشبها، والمشبه مشبها بِهِ، وَذَلِكَ لما يُرِيدُونَ من استحكام الْأَمر فِي الشّبَه، فهم يَقُولُونَ للناقة جمالية، ثمَّ يَشْعُرُونَ باستحكام الشّبَه، فَيَقُولُونَ للذّكر جمالي، ينسبونه إِلَى النَّاقة الجمالية، وَله نَظَائِر فِي كَلَام الْعَرَب، وَكَلَام سِيبَوَيْهٍ. أما كَلَام الْعَرَب، فكقول ذِي الرمة: