يعجب، بل رأى ما ينفر، وقد سقط العباسيون كما سقط من قبلهم الأمويون ليؤكدوا حقيقة علمية وتاريخية ثابتة، وهى أن العرب لا يشد كيانهم إلا الدين! فإذا خرجوا عليه تيقظت فيهم جاهليتهم، فهلكوا .. وقد أعلنت هذه الحقيقة عن ثباتها واطرادها بسقوط الخلافة الأموية في الأندلس واندحار الدويلات التى تخلفت عنها! الداء هو الداء نهم مسعورإلى السلطة، وتعارك وحشى على الإمارة، وارتداء للدين على جسد أجرب، ومتاجرة بفقه الفروع لا تنطلى على الله، لأن معاقد الدين وقواعد الأخلاق واهية (أتواصوا به بل هم قوم طاغون) . وبعد سقوط الخلافة العباسية بقرن تقريبا، كان جنس آخر قد اعتنق الإسلام واعتز به وأنشأ دولة تجاهد من أجله، اتجهت صوب الأناضول بقوة، وقاتلت الروم ببأس، وما زالت في حرب مظفرة معهم حتى أخرجتهم عن آخرهم من آسيا وظلت تطاردهم في شرق أوربا بعد ما استولت على القسطنطينية ... تلك دولة الأتراك العثمانيين، التى تسمى سلاطينها بخلفاء الإسلام! ولست كارهًا للترك، ولا ناسيا ما أسدوه للإسلام من أياد، ولا متهما الشعب التركى بما هو منه براء، فهو شعب مؤمن جياش العاطفة شجاع مقدام. لكن الإسلام دين عربى الوحى، كتابه عربى وسنته عربية وثقافته الفقهية والخلقية عربية، وقد رفض الترك أن يتعربوا فكيف يستطيعون مع هذا الرفض قيادة الرسالة والدعوة؟! كان يمكن أن يظلوا كما يريدون، ثم يستعينوا بالعلماء العرب لينشروا الإسلام، وينشئوا أجيالا جديدة عليه، بيد أنهم لم يفعلوا ... ولو أرادوا لاستعانوا بمصر وفيها الأزهر، وجعلوا من القدرة العلمية عند المصريين وغيرهم ما يعزز فتوحهم، ويؤسس للإسلام مجتمعات واعية هادية ... إنهم لسوء الحظ لم يفعلوا، بل ولى الحكم السلطان سليم الأول، وكان رجلا نزقا سفاحا مضطرب المزاج، فأغار على مصر وخرب مستقبلها بضعة قرون ... وبديه أن يعجز الأتراك عن نشر الدعوة