ما قررناه في الفصل السابق كان عن النصاب الأدنى للمعرفة الدينية التى يحصلها المسلم العادى، بيد أن الأمة الإسلامية لها شأن آخر، ذلك أنها تحمل رسالة عالمية تشمل الزمان كله والمكان كله ...
فالمسلمون مكلفون بهداية الفكر الإنسانى، والقلب الإنسانى والواقع الإنسانى في كل موقع من دنيا الناس، وهل يستطيع ذلك جاهل بقضايا الفكر والقلب والواقع؟ وهل ينجح في ذلك كافل عن سنن الله في الأنفس والآفاق، محجوب عن الأسرار والقوى التى أودعها الله بين يديه ومن خلفه؟ إن عالمية الرسالة تكلف أمتنا كثيرا كثيرا، وقد نهض الصحابة والتابعون بهذا العبء، فكانوا امتدادا لإشعاع النبوة الخاتمة، ثم أخذ الرجال الكبار يقفون شيئا فشيئا حتى كادت الأمة تصاب بالعقم ... وتعاركت البيوتات العربية على الجاه والمال، والإمارة والوزارة، حتى استخفت حقائق ما كان يجوزأن تستخفى! ولنتساءل أولا: ما القوى التى اعترضت الإسلام أول ظهوره؟ وماذا عرض لها على اختلاف الليل والنهار؟ وماذا كان موقف المسلمين منها على ما جذ لها من أحوال؟ إن الوثنية العربية تلاشت في أرجاء الجزيرة على عهد النبى نفسه، وعادت لها صحوة الموت بعد انتقاله- صلى الله عليه وسلم - إلى الرفيق الأعلى ولكن أصحابه وخلفاءه أخمدوا أنفاسها إلى الأبد! والمجوسية الفارسية فرقت شر ممزق، وبادت الكسروية وعم الإسلام هذه الربوع، فتلاشت المجوسية كما تلاشت الوثنية العربية من قبل ... وقضى المسلمون على المستعمرات اليهودية داخل الجزيرة بعدما يئسوا من محاسنتها، لكن اليهود- وهم قلة ماكرة ماهرة- استأنفوا حرب الظلام بعدما خسروا الحرب المكشوفة، واستطاعوا بمؤامراتهم قتل الخلفاء الثلاثة عمر وعثمان وعلى .. ص _079