أما السبب المهم في التخلف الحضارى فهو شيوع التدين المزيف، ووقوع الثقافة الدينية إجمالا بين طوائف من ذوى المعادن الرخيصة أو العقول المعتلة ... ويغلب على هؤلاء التأثر بالزهد الهندى أو النصرانى، والرغبة عن الدنيا، وعصيان نداء الفطرة، والغرام بالمبتدعات، واتهام النزعات العقلية ... وكان العرب على عهد الرسالة يرون أنفسهم أرجح من الروم واليهود عقلا، وأقوى خلقا، وأقدر على أعباء الحياة وخدمة المثل العليا. وذكر القرآن الكريم رأى العرب في أنفسهم (وإن كانوا ليقولون * لو أن عندنا ذكرا من الأولين * لكنا عباد الله المخلصين * فكفروا به فسوف يعلمون) . وعلى أية حال فإن العرب كانوا أصلح لنزول الرسالة فيهم، وما كانوا قط أعجز إنسانية من الروم والفرس، ولا كان هذا التخلف السحيق بينهم وبين غيرهم من الناس .. وقد حملوا الإسلام باقتدار، وأحسنوا تبليغه إلى الدولتين الكبيرتين في عهد الخلافة الراشدة، فلما اشتبكوا في قتال مع عدوهم كان تنامى حماسهم وتساند إخائهم مكملا لقلة العدد، ولم يكن السيف دون السيف ولا الخيل دون الخيل .. وجرب الفرس سلاحا لا تعرفه العرب هو الفيلة، ولكن سرعان ما احتال المسلمون على الإيقاع بها ففرت مذعورة ترمى من فوق ظهرها .. أما اليوم فلا تستطيع الموازنة بين التقدم المدنى والعسكرى عندنا ... وعند غيرنا! إن كل علم يطوى مسافة هذا التخلف هو من أركان الدين، وفرائض العبادات العينية والكفائية. وهو أولى من نوافل العبادة ومسائل الخلاف التى برع فيها الفارغون واشتغل بها المتنطعون! ص _078