مع اضمحلال الدولة الإسلامية خلال القرون الأخيرة انفرد التبشير الصليبى بقارة أفريقية، ورسم سياسة دقيقة للاستحواذ عليها .. كان الإسلام، الدين السماوى الأول في هذه القارة، وكان يكتسب بثبات أرضا جديدة من الوثنية السائدة، فلما دخل الأوربيون قرروا لفورهم تغيير هذا الوضع، والطريف أنهم عدوا أنفسهم مكتشفين لبقاع شتى كان العرب قد عرفوها من قبل، فالبحيرات العظمى التى ينبع منها النيل كانت معروفة للجغرافيين العرب .. غير أن المستعمرين الجدد لما وصلوا إليها خلعوا عليها أسماءهم فإذا نحن أمام بحيرة"فيكتوريا"وبحيرة"ألبرت".. إلخ، وهذه البحيرات تدرس بأسمائها الجديدة في البلاد العربية لطلاب المراحل الدنيا والعليا .. ! واقتسم الأوربيون القارة الغفل وشرعوا في تنفيذ برامجهم الاستعمارية والتبشيرية، ورأوا- تمشيا مع اتجاه العصر- أن يحولوا المستعمرات إلى دول حديثة فأنشأوا عشرات من الحكومات المستقلة (!) وراعوا في تكوينها تقطيع الأواصر الإسلامية، وتشتيت أجزائها، وجعل السلطة بأيدى خريجى المدارس التبشيرية وحدهم، وجعل الكثرة المسلمة تذل وتقل على مر الأيام .. بل لقد وضعت خطة عامة لتقويض الإسلام في إفريقيا كلها مع نهاية القرن العشرين!! ولكن الأمور جرت على نحو آخر، فإن قرى كاملة، وقبائل بأسرها أخذت تعتنق الإسلام، وتهجر وثنيتها الأولى ... وكنت في مجلس يضم عددا من رؤساء الجامعات العربية قرأوا ما نشرته جريدة"الموند"الباريسية تعليقا على هذه الانتكاسة التبشيرية! قالت الجريدة في غيظ:"كيف يقع هذا؟ وكيف يلقى الإسلام هذا القبول؟ ثم تتجه إلى الزنوج الذين أسلموا موبخة لهم على إسلامهم قائلة: أنسى هؤلاء ما فعله المسلمون الأولون بأبائهم؟ كانوا يخطفونهم ويبيعونهم عبيذا؟ فكيف يدخلون في هذا الدين؟". ص _121