كانت في دولة الخلافة الراشدة بادية الحرص على سلامة المعرفة التى تصل إلى الجماهير، وقد رأينا على بن أبى طالب يرقب المساجد، ويتسمع إلى ما يلقى بها من دروس، وقد أمر بطرد أعداد من القصاص المتحدثين إلى العامة، واستبقى الحسن البصرى وحده .. ! إن الميدان الدينى مرتع خصب للمشعوذين والخرافيين، ولا يجوز أن يستخفى أولئك في لباس الوعظ والفقه ليفسدوا الأفكار، وينحرفوا بالناشئة. وقد كان عمر يقظا إلى حد الغيرة نحو كل ما يمس العقيدة والسلوك، وكان يوصى أمراء الجيوش بجمع الناس على كتاب الله، والإقلال من الأحاديث النبوية. والسبب في ذلك أمران: أولهما خوفه من رواية الواهيات والترهات. والأخر خوفه من عدم فهم الحديث على وجهه، واختلاف الأنظار مع اختلاف المرويات. وقد رأيت شبابا غضا يتلقى بعض الأحاديث، وهو دون مستواها، ويشغل بها خلافات مخوفة العقبى، وقد يكون الجيش مكلفا بدخول مدينة، أو بلوغ هدف فإذا هؤلاء يحدثون فتنة حول قصر الثوب، أو الصلاة في النعل، أو الشرب عن قيام فيصاب الإسلام من غبائهم .. لكن الأمرتغيرعلى نحو ما بعد انتهاء الخلافة الراشدة، واستيلاء خلفاء قاصرين على دفة الحكم .. وليس يعنينا الآن التغير الطفيف الذى وقع في العهد الأموى، ووجد للفور من يقوم بحق الله في إصلاحه، وإنما يعنينا ما وقع في أيام الخلافة العباسية بعد أن استقرت الأمور- كما يقال- وبدأ عهد الحضارة .. ! لقد تدبرت قضية الترجمة التى نقلت إلى لغتنا العربية تراث أم أخرى أهمها اليونان! أكنا- نحن المسلمين- فقراء إلى هذه المعارف المنقولة؟ وأبادرإلى القول بأنى منهوم إلى الاطلاع على كل ما لدى الآخرين من علم، وأنى لا أرخص حكمة جاءت من عدو! ولا أزهد في حصاد الذكاء البشرى مهما كان موطنه .. ! أن ذلك لا يعنى تأخير ما لدى، واستقبال الجديد بحفاوة تنسى الأصل .. ص _041