لقد وصف الله الرجال الذين يصلحون لدينه بأنهم قوم: (يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) . والواقع أن علم العقيدة عندنا لما اتسم بالجدل، وأضفت عليه فلسفة اليونان، الأخذ والرد والبحث والنظر، تحول إلى علم جاف عقيم، وأمسى قدرة عقل على الاستدلال، لا قدرة قلب على تذوق حلاوة الإيمان، ويجب أن نعود إلى قواعدنا الأولى ...
ربما ابتسم بعض الناس، ونحن نذكر هذا الركن الجليل، وقال: نزعة صوفية. والواقع أن عصرنا هذا أفقر العصور إلى معرفة هذا الركن، وإنه يكاد يهلك جفافا لنسيان الله، وركضه وراء مأربه .. إن الناس في عصرنا لا يعرفون إلا أنفسهم؟ ولذلك لا يذكرون غيرها!. والإنسان الأوربى- قائد هذه الحضارة- يصحو من رقاده، وينظر إلى كلبه مبتسما، ويرمى إليه طعامه ثم يذهب إلى عمله باحثا عن طعامه هو، ما رفع عينه إلى السماء! ما حيى ربه بكلمة، ما الفرق بينه وبين كلبه؟ لا فرق إلا أن هذا حيوان أعجم، وهذا حيوان ناطق، امتاز بعقل أذكى فهو يسخر ذكاءه في متعة أكبر وسيادة أظهر .. ثم لا شىء وقد يموت بعدئذ حتف أنفه، أو في حرب عدوانية شنها على غيره بطرا ورئاء الناس، أو في حرب دفاعية يخوضها لتأمين ضروراته ومرفهاته وحسب! هذه إنسانية الحضارة الغالبة! ودعك من أديان تعيش في كنفها، ربما تساعدها على شرودها؟ لأنها لا تدرى عن الله الحق شيئا. ذكر الله تجديد أو توكيد لمعرفته الأولى، بعد الإيمان به، ألا ترى التلميذ يقرأ كتابه ثم يعود إلى قراءته مثنى وثلاث ليبقى عارفا بما فيه. والإنسان في هذه الدنيا محتاج إلى مذكر دائم لتستديم معرفته لربه، وإلا نسى، وطال عليه النسيان فجهل .. ص _070