فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 132

والإسلام طلب من أتباعه تجويد علوم الدنيا لأمور ثلاثة: أولها: أن تعمير الأرض جزء من رسالة الإنسان على ظهرها، جزء من العبادة التى خلق من أجلها، جزء من الكدح الذى يصون به نفسه وأهله وشرفه .. والثانى: أن الله لم يخلق الإنسان ليشقى، ويجوع ويعرى، بل خلقه مكرما يحمله ما في البر والبحر، وأحل له الطيبات، ويسر له الزينة والجمال، بما فوقه من نجوم وبما بين يديه من زرع وضرع .. وقد شرحنا ذلك بإفاضة في أماكن أخرى من كتبنا فلا نزيد هنا شيئا .. لكن الأمر الثالث هو الذى لا نسأم من تكراره، فإن الجهاد المكتوب على المؤمنين لحماية الدين لا يمكن أن يتم ولا أن ينجح بعيدا عن التفوق المدنى والحضارى. والأمة الإسلامية كى تكون على مستوى دينها، وكى تنجح في المحافظة عليه، وكى تستطيع إفهامه للآخرين، لابد أن تكون راسخة القدمين في شئون الحياة كلها، بل يجب أن تكون سباقة في شتى الميادين، مسموعة الكلمة في آفاق العلم برا وبحرا وجوا .. ومن حق الأمم الكبرى- وهى أمم تحتقر الأمية العلمية والصناعية- أن تنظر إلى دعاوى المسلمين وأفكارهم وقيمهم بريبة أو بسخرية ما دام المسلمون نماذج رديئة للتخفف الإنسانى .. وفي ظنى أن لهذه العلة سببين: أحدهما ثانوى وهو تغلب طبائع البدو على تعاليم الإسلام، فإن البدو يكرهون الحرف، ويزدرون الصناع، وينظرون إلى الفلاحين نظرة نابية، إنهم يأكلون من كج أيمانهم، ومع ذلك يترفعون عليهم!! وقد كانوا قديما يشترون السيوف من الهند وما جاورها ليستعينوا بها على الغزو والسطو ولا يكلفون أنفسهم صناعتها، ولا يزال أعداد من الأعراب يرون الحدادة والنجارة مهانة، ويأبون بشمم أن يقوم أحدهم من تحت سيارة يصلحها أو جرار يكشف سبب عطله .. وكنا ندرس ونحن طلاب أن لفظ"آل"لا يضاف إلا إلى الأشراف، فلا يقال: آل الحجام ولا آل الإسكاف إ! ولا ربب أن لهذه البداوة الغبية أثرا ملحوظا في دنيا العرب إلى اليوم. ص _077

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت