دين الله ودنيا الناس ليسا كذلك، وإنما اشتباك حقيقى مع السراء والضراء، والخير والشر، واشتباك يجر المرء بعيدا بعيدا عن الشاطئ ليصارع الموج ويواجه الموت، ثم يعود وهو يلهث ما يصدق أنه عاد ... إن الله أمر موسى أن يذكر بنى إسرائيل بتاريخهم مع أعدائهم، وما عانوا من بلاء، وما تم لهم من إنقاذ: (وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) . وقصى علينا سبحانه خبر"سبأ"وتنكرهم لنعمة الله، ثم ذكر ما أنزله بهم من جزاء فقال: (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) . ولست أتحدث عن فضيلتى الصبر والشكر المعتادتين بين الناس، إنما أعنى صبرا يحس صاحبه أن لله ما أخذ ولله ما أعطى، وأن حق العبودية التحمل دون تململ وضجر، فإذا حرم المرء ما يحب، أو كلف ما يكره، نظرإلى ربه في تسليم، واستقبل قضاءه دون سخط. وكذلك إذا طرقت النعماء بابه، لم يطش لها لبه، أويتملكه الغرور فيحسب أنها جاءت إلى صاحبها الجدير بها .. كلا إن اختبار الناس بالسراء أصعب من اختبارهم بالضراء، والساقطون في امتحانات الرخاء أضعاف الساقطين في الميدان الآخر. قال تعالى: (ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور * ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور * إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير) . ويلاحظ أن كلمة"صبروا"في الأية الأخيرة وضعت مكان كلمة"آمنوا"، فقد اطرد في النظم الإلهى أن يقترن الإيمان بالعمل الصالح دائما، وإنما تغير اللفظ فقط، وإلا فكلمة الصبر التى جاءت هنا هى أثر الإيمان وامتداده ... ص _067