في الحديث الصحيح1:"لو يعلم أحدهم أن يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء"وهذه ليست صفة المؤمنين لا سيما أكابرهم وهم الصحابة فلا يتم الدليل.
قال القاضي عياش رحمه الله: وقد قيل: إن هذا في المؤمنين وأما المنافقون: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم معرضا عنهم عالما بطوياتهم كما أنه لم يعترضهم في التخلف ولا عاتبهم معاتبة كعب وأصحابه من المؤمنين.
وأقول: هذا إنما يلزم إذا كان ترك معاقبة المنافقين واجبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فحينئذ يمتنع أن يعاقبهم بهذا التحريق فيجب أن يكون الكلام في المؤمنين ولنا أن نقول: إن ترك عقاب المنافقين وعقابهم كان مباحا للنبي صلى الله عليه وسلم مخبرا فيه فعلى هذا: لا يتعين أن يحمل هذا الكلام على المؤمنين إذ يجوز أن يكون في المنافقين لجواز معاقبة النبي صلى الله عليه وسلم لهم وليس في إعراضه عنهم بمجرده ما يدل على وجوب ذلك عليه ولعل قوله صلى الله عليه وسلم - عندما طلب منه قتل بعضهم:"لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"2 يشعر بما ذكرناه في التخيير لأنه لو كان يجب عليه ترك قتلهم لكان الجواب بذكر المانع الشرعي وهو أنه لا يحل قتلهم ومما يشهد لمن قال:"إن ذلك في المنافقين"عندي: سياق الحديث من أوله وهو قوله صلى الله عليه وسلم:"أثقل الصلاة على المنافقين".
ووجه آخر في تقدير كونه في المنافقين: أن يقول القائل: هم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحريق يدل على جوازه وتركه التحريق يدل على جواز هذا الترك فإذا اجتمع جواز التحريق وجواز الترك في حق هؤلاء القوم وهذا المجموع لا يكون في المؤمنين فيما هو حق الله تعالى.
ومما أجيب به عن حجة أصحاب الوجوب على الأعيان: ما قاله القاضي عياض رحمه الله والحديث حجة على داود لا له لأن النبي صلى الله عليه وسلم هم ولم يفعل ولأنه يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته غير مجزئة وهو موضع البيان.
وأقول: أما الأول: فضعيف جدا إن سلم القاضي أن الحديث في المؤمنين لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بم يجوز له فعله لو فعله.
وأما الثاني - وهو قوله ولأنه لم يخبرهم أن من تخلف عن الجماعة فصلاته غير مجزئة وهو موضع البيان - فلقائل أن يقول: البيان قد يكون بالتنصيص وقد يكون بالدلالة ولما قال صلى الله عليه وسلم:"لقد هممت"إلى آخره, دل على وجوب الحضور عليهم في الجماعة فإذا دل الدليل على
1 الذي رواه البخاري"644"ومسلم"651".
2 البخاري"3518"ومسلم"2584""63".