وحملوها على الأجزاء التي تقع فيها المراتب ولا بد لهم من دليل مؤيد للتأويل على هذا التقدير وسنذكر منه شيئا.
الوجه الثاني: ما يؤخذ من قوله:"من اغتسل ثم راح"والرواح لا يكون إلا بعد الزوال فحافظوا على حقيقة راح وتجوزا في لفظ الساعة إن ثبت أنها حقيقة في الجزء من اثني عشر واعترض عليهم في هذا بأن لفظة راح يحتمل أن يراد بها مجرد السير في أي وقت كان كما أول مالك قوله تعالى: {فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ} [الجمعة: 9] على مجرد السير لا على الشد والسرعة هذا معنى قوله وليس هذا التأويل ببعيد في الاستعمال.
الوجه الثالث: قوله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات:"فالمهجر كالمهدي بدنة"1 والتهجير: إنما يكون في الهاجرة ومن خرج عند طلوع الشمس مثلا أو بعد طلوع الفجر لا يقال له مهجر.
واعترض على هذا بأن يكون المهجر من هجر المنزل وتركه في أي وقت كان وهذا بعيد.
الوجه الرابع: يقتضي الحديث: أنه بعد الساعة الخامسة يخرج الإمام وتطوي الملائكة الصحف لاستماع الذكر وخروج الإمام إنما يكون بعد السادسة وهذا الإشكال إنما ينشأ إذا جعلنا الساعة هي الزمانية أما إذا جعلنا ذلك عبارة عن ترتيب منازل السابقين فلا يلزم هذا الإشكال.
الوجه الخامس: يقتضي أن تتساوى مراتب الناس في كل ساعة فكل من أتى في الأولى كان كالمقرب بدنة وكل من أتى في الثانية كان كمن قرب بقرة مع أن الدليل يقتضي أن السابق لا يساويه اللاحق وقد جاء في الحديث:"ثم الذي يليه ثم الذي يليه"2 ويمكن أن يقال في هذا: إن التفاوت يرجع إلى الصفات.
واعلم أن بعض هذه الوجوه لا بأس به إلا أنه يرد على المذهب الآخر: أنا إذا خرجنا على الساعات الزمانية لم يبق لنا مرد ينقسم فيه الحال إلى خمس مراتب بل يقتضي أن يتفاوت السبق في الإتيان إلى الجمعة وذلك يتأتى منه مراتب كثيرة جدا فإن تبين بدليل أن يكون لنا مرد لا يكون فيه هذا التفاوت الشديد والكثرة في العدد فقد اندفع هذا الإشكال.
فإن قلت: نجعل الوقت من التهجير مقسما على خمسة أجزاء ويكون ذلك مرادا؟
قلت يشكل ذلك لوجهين:
أحدهما: أن الرجوع إلى ما تقرر من تقسيم الساعات إلى اثني عشر أولى إذا كان ولا بد
1 جزء من حديث أخرجه البخاري"929"ومسلم"850"من حديث أبي هريرة.
2 لم نجده بهذا اللفظ وقد أخرج أحمد في مسنده"7259"عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنه ثم الذي يليه كالمهدي بقرة والذي يليه كالمهدي كبشا"حتى ذكر الدجاج والبيضة.