وغير هؤلاء يرى أن هذه العلة إنما تثبت لأجل الإحرام فيعم كل محرم.
7 -عن أم عطية الأنصارية رضي الله عنها قالت:"نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا"1.
فيه دليل على كراهية اتباع النساء الجنازة من غير تحريم وهو معنى قولها:"ولم يعزم علينا"فإن العزيمة دال على التأكيد وفي هذا ما يدل على خلاف ما اختاره بعض المتأخرين من أهل الأصول: أن العزيمة ما أبيح فعله من غير قيام دليل المنع وأن الرخصة: ما أبيح مع دليل المنع.
وهذا القول مخالف لما دل عليه الاستعمال اللغوي من إشعار العزم بالتأكيد فإن هذا القول يدخل تحت المباح الذي لا يقوم دليل الحظر عليه وقد وردت أحاديث تدل على التشديد في اتباع النساء أو بعضهن للجنائز أكثر مما يدل عليه هذا الحديث كالحديث الذي جاء في فاطمة رضي الله عنها2 فإما أن يكون ذلك لعلو منصبها وحديث أم عطية في عموم النساء أو يكون الحديثان محمولين على اختلاف حالات النساء وقد أجاز مالك اتباعهن للجنائز وكرهه للشابة في الأمر المستنكر وخالفه غيره من أصحابه فكرهه مطلقا لظاهر الحديث.
8 -عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أسرعوا بالجنازة فإنها إن تك صالحة: فخير تقدمونها إليه وإن تك سوى ذلك: فشر تضعونه عن رقابكم"3.
يقال: الجنازة والجنازة - بالفتح والكسر - بمعنى واحد ويقال: بالفتح هو الميت وبالكسر: النعش الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل فعلى هذا يليق الفتح في قوله عليه السلام:"أسرعوا بالجنازة"يعني بالميت فإنه المقصود بأن يسرع به والسنة الإسراع كما جاء في الحديث وذلك بحيث لا ينتهي الإسراع إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت وقد جعل الله لكل شيء قدرا وقد ظهرت العلة في الإسراع من الحديث وهو قوله:"فإن تك صالحة"إلى آخره.
1 البخاري"1278"ومسلم"938""35".
2 أخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [يوما] يعني ميتا فلما فرغنا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفنا معه فلما حاذى بابه وقف فإذا نحن بامرأة مقبلة قال: أظنه عرفها فلما ذهبت إذا هي فاطمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟"قالت: أتيت يا رسول الله أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فلعلك بلغت معهم الكدى؟"قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر, فال:"لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك".
3 البخاري"1315"ومسلم"944""50"واللفظ للبخاري.