قوله:"إنما الشفعة فيما لم يقسم"فمن قال بعدم ثبوت الشفعة: تمسك بها ومن خالفه: يحتاج إلى إضمار قيد آخر يقتضي اشتراط أمر زائد وهو صرف الطرق مثلا وهذا الحديث يستدل به ويجعل مفهومه مخالفة الحكم عند انتفاء الأمرين معا: وقوع الحدود وصرف الطرق.
وقد يستدل بالحديث على مسألة اختلف فيها وهو أن الشفعة هل تثبت فيما لم يقبل القسمة أم لا؟ فقد يستدل به من يقول: لا تثبت الشفعة فيه لأن هذه الصيغة في النفي تشعر بالقبول فيقال للبصير: لم يبصر كذا وإن استعمل أحد الأمرين في الآخر فذلك للاحتمال فعلى هذا يكون في قوله:"فيما لم يقسم"إشعار بأنه قابل للقسمة فإذا دخلت"إنما"المعطية للحصر: اقتضت انحصار الشفعة في القابل.
وقد ذهب شذاذ من الناس إلى ثبوت الشفعة في المنقولات واستدل بصدر الحديث من يقول بذلك إلا أن آخره وسياقه: يشعر بأن المراد به العقار وما فيه الحدودوصرف الطرق.
5 -عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال: يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه فما تأمرني به؟ فقال:"إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها"قال: فتصدق بها غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث, قال: فتصدق عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها: أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه"وفي لفظ:"غير متأثل"1."
الحديث دليل على صحة الوقف والحبس على جهات القربات وهو مشهور متداول النقل بأرض الحجاز خلفا عن سلف أعني الأوقاف.
وفيه دليل على ما كان أكابر السلف والصالحين عليه من إخراج أنفس الأموال عندهم لله تعالى وانظر إلى تعليل عمر رضي الله عنه لمقصوده بكونه لم يصب مالا أنفس عنده منه.
وقوله:"تصدقت بها"يحتمل أن يكون راجعا إلى الأصل المحبس وهو ظاهر اللفظ ويتعلق بذلك ما تكلم فيه الفقهاء من ألفاظ التحبيس التي منها الصدقة ومن قال منهم: بأنه لا بد من لفظ يقترن بها يدل على معنى الوقف والتحبيس كالتحبيس المذكور في الحديث وكقولنا مؤبدة محرمة أو لا تباع ولاتوهب ويحتمل أن يكون قوله:"وتصدقت بها"راجعا إلى الثمرة على حذف المضاف ويبقى لفظ الصدقة على إطلاقه.
1 البخاري"2737"ومسلم"1632".