فهرس الكتاب

الصفحة 535 من 549

المراد به المسلمون كان قوله:"فليس منا"كذلك وقد ورد مثل هذا فاحتاجوا إلى تأويله كقوله عليه السلام:"من غشنا فليس منا"1 وقيل فيه: ليس مثلنا أو ليس على طريقتنا أو ما يشبه ذلك فإذا كان الظاهر كما ذكرناه ودل الدليل علة عدم الخروج عن الإسلام بذلك اضطررنا إلى التأويل.

20 -عن أبي موسى رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"2.

في الحديث دليل على وجوب الإخلاص في الجهاد وتصريح بأن القتال للشجاعة والحمية والرياء خارج عن ذلك.

فأما الرياء: فهو ضد الإخلاص بذاته لاستحالة اجتماعهما - أعني أن يكون القتال لأجل الله تعالى ويكون بعينه لأجل الناس.

وأما القتال للشجاعة فيحتمل وجوها: أحدها: أن يكون التعليل داخلا في قصد المقاتل أي قاتل لأجل إظهار الشجاعة فيكون فيه حذف مضاف وهذا لا شك في منافاته للإخلاص وثانيها: أن يكون ذلك تعليلا لقتاله من غير دخول له في القصد بالقتال كما يقال: أعطى لكرمه ومنع لبخله وآذى لسوء خلقه وهذا بمجرده من حيث هو هو لا يجوز أن يكون مرادا بالسؤال ولا الذم فإن الشجاع المجاهد في سبيل الله إنما فعل ما فعل لأنه شجاع غير أنه ليس يقصد به إظهار الشجاعة ولا قصد إظهار الشجاعة في التعليل وثالثها: أن يكون المراد بقولنا: قاتل للشجاعة: أنه يقاتل لكونه شجاعا فقط وهذا غير المعنى الذي قبله لأن الأحوال ثلاثة: حال يقصد بها إظهار الشجاعة وحال يقصد بها إعلاء كلمة الله تعالى وحال يقاتل فيها لأنه شجاع إلا أنه لم يقصد إعلاء كلمة الله تعالى ولا إظهار الشجاعة عنه وهذا يمكن فإن الشجاع الذي تداهمه الحرب وكانت طبيعته المسارعة إلى القتال يبدأ بالقتال لطبيعته وقد لا يستحضر أحد الأمرين - أعني أنه لغير الله تعالى أو لإعلاء كلمة الله تعالى.

ويوضح الفرق بينهما أيضا: أن المعنى الثاني لا ينافيه وجود قصد فإنه يقال: قاتل إعلاء كلمة الله تعالى لأنه شجاع وقاتل للرياء لأنه شجاع فإن الجبن مناف للقتال مع كل قصد

1 جزء من حديث أخرجه مسلم"101"عن أبي هريرة وتمامه:"من حمل عينا السلاح فليس منا ومن غشنا فليس منا".

2 البخاري"7458"ومسلم"1904"واللفظ له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت