يفرض وأما المعنى الثالث: فإنه ينافيه القصد لأنه أخذ فيه القتال للشجاعة بقيد التجرد عن غيرها ومفهوم الحديث أنه في سبيل الله تعالى إذا قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وليس في سبيل الله إذا لم يقاتل لذلك.
فعلى الوجه الأول: تكون فائدته بيان أن القتال لهذه الأغراض مانع وعلى الوجه الأخير تكون فائدته: إن القتال لأجل إعلاء كلمة الله تعالى شرط وقد بينا الفرق بين المعنيين وقد ذكرنا أن مفهوم الحديث الاشتراط لكن إذا قلنا بذلك فلا ينبغي أن نضيق فيه بحيث تشترط مقارنته لساعة شروعه في القتال بل بالخروج إليه لإعلاء كلمة الله تعالى ويشهد لهذا الحديث الصحيح1 في أنه يكتب للمجاهد استنان فرسه وشربها في النهر من غير قصد لذلك لما كان القصد الأول من الجهاد واقعا لم يشترط أن يكون ذلك في الجزئيات ولا يبعد أن يكون بينهما فرق إلا أن الأقرب عندنا ما ذكرناه من أنه لا يشترط اقتران القصد بأول الفعل المخصوص بعد أن يكون القصد صحيحا في الجهاد إعلاء كلمة الله تعالى دفعا للحرج والمشقة فإن حالة الفزع حالة دهش وقد تأتي على غفلة فالتزام حضور الخواطر في ذلك الوقت حرج ومشقة.
ثم إن الحديث يدل على أن المجاهد في سبيل الله مؤمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا والمجاهد لطلب ثواب الله تعالى والنعيم المقيم مجاهد في سبيل الله ويشهد له فعل الصحابة وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض"2 فألقى الثمرات التي كن في يده وقاتل حتى قتل وظاهر هذا أنه قاتل لثواب الجنة والشريعة كلها طافحة بان الأعمال لأجل الجنة أعمال صحيحة غير معلولة لأن الله تعالى ذكر صفة الجنة وما أعد فيها للعاملين ترغيبا للناس في العمل ومحال أن يرغبهم للعمل للثواب ويكون ذلك معلولا مدخولا اللهم إلا أن يدعى أن غير هذا المقام أعلى منه فهذا قد يتسامح فيه وأما أن يكون علة في العمل فلا.
فإذا ثبت هذا وأن المقاتل لثواب الله وللجنة مقاتل في سبيل الله تعالى فالواجب أن يقال:
1 روى البخاري"2371"عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الخيل لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أوالروضة كانت له حسنات ولو أنه انقطع طيلها فاستنت شرفا أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي كان ذلك حسنات له فهي لذلك أجر ورجل ربطها تغنيا وتعليقا ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر".
2 جزء من حديث طويل أخرجه مسلم"1901"من حديث أنس بن مالك.