على المعتذر منه أدركته النفس صافية من العتب وإذا تأخر العذر استثقلت النفس المعتذر منه فتأثرت بقبحه ثم يأتي العذر رافعا وعلى الأول يأتي دافعا.
الثاني: تكلموا في تأويل قولها:"إن الله لا يستحي من الحق"ولعل قائلا يقول: إنما يحتاج إلى تأويل الحياء إذا كان الكلام مثبتا كما جاء:"إن الله حيي كريم"1 وأما في النفي: فالمستحيلات على الله تنفى ولا يشترط في النفي أن يكون المنفي ممكنا.
وجوابه ألم يرد النفي على الاستحياء مطلقا بل ورد على الاستحياء من الحق فبطريق المفهوم: يقتضي أن يستحيي من غير الحق فيعود بطريق المفهوم إلى جانب الإثبات.
الثالث: قيل في معناه لا يأمر بالحياء فيه ولا يبيحه أولا يمتنع ن ذكره وأصل الحياء الامتناع أو ما يقاربه من معنى الانقباض وقيل: معناه أن سنة الله وشرعه أن لا يستحي من الحق.
وأقول: أما تأويله على أن لا يمتنع من ذكره فقريب لأن المستحيي ممتنع من فعل ما يستحيي منه فالامتناع من لوازم الحياء فيطلق الحياء على الامتناع إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم وأما قولهم إن الله لا يأمر ولا يبيحه فيمكن في توجيهه أن يقال: يصح التعبير بالحياء عن الأمر بالحياء لأن الأمر بالحياء متعلق بالحياء فيصح إطلاق الحياء على الأمر به على سبيل إطلاق المتعلق على المتعلق به وإذا صح إطلاق الحياء على الأمر بالحياء فيصح إطلاق عدم الحياء من الشيء على عدم الأمر به.
وهذه الوجوه من التأويلات تذكر لبيان ما يحتمله اللفظ من المعاني ليخرج ظاهره عن النصوصية لا على أنه يجزم بإرادة متعين منها إلا أن يقوم على ذلك دليل.
وأما قولهم معناه إن سنة الله وشرعه أن الله لا يستحيي من الحق فليس فيه تحرير بالغ فإنه إما أن يسند فعل الاستحياء إلى الله تعالى أو لا ويجعله فعلا لما لم يسم فاعله فإن أسند إلى الله تعالى فالسؤال باق بحاله وغاية ما في الباب: أنه زاد قوله سنة الله وشرعه وهذا لا يخلص من السؤال وإن بنوا الفعل لما لم يسم فاعله فكيف يفسر فعلا بني للفاعل والمعنيان متباينان والإشكال إنما ورد على بنائه للفاعل؟.
الوجه الرابع: الأقرب أن يجعل في الكلام حذف تقديره: إن الله لا يمتنع من ذكر الحق والحق ههنا خلاف الباطل ويكون المقصود من الكلام: أن يقتدي بفعل الله تعالى في ذلك وبذكر هذا الحق الذي دعت إليه الحاجة إليه من السؤال عن احتلام المرأة.
1 الترمذي"3556"وأبو داود"1488"وابن ماجه"3865"وقال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب وتمامه" يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرا خائبتين".