الصفحة 15 من 194

حكام و محكومين السادة ولا سيما الأجانب لهم كل الغن و العبيد عليهم كل الغرم و بعبارة أوضح أن الرعايا كانت بمثابة مزرعة تورد المحصولات إلي الحكومات فتستخدمها في ملذاتها و شهواتها و رغائبها و عدوانها أما الناس فهم في عمايتهم يتخبطون و الظلم ينحط عليهم من كل جانب و ما في استطاعتهم التذمر والشكوى بل هم يسامون الخسف والجور والعذاب ألوان ساكتين و قد كان الحكم استبداديا والحقوق ضائعة مهدورة والقبائل المجاورة لهذه الأقطار مذبذبون تتقاذفهم الأهواء والأغراض مرة يدخلون في أهل العراق يعني من الفرس و مرة يدخلون في أهل الشام يعني الروم و كانت أحوال القبائل داخل الجزيرة مفككة الأوصال تغلب عليها المنازعات القبلية والاختلافات العنصرية والدينية حتى قال ناطقهم وما أنا إلا من غزية أن غوت غويت و أن ترشد غزية ارشد يعني أنا تبعا لقومي أن كانوا علي رشاد فأنا راشد وان كانوا علي غواية فأنا غوي تقليد اعمي والعياذ بالله ولم يكن لهم ملك يدعم استقلالهم أو مرجع يرجعون إليه و يعتمدون عليه وقت الشدائد وأما حكومة الحجاز فقد كانت تنظر إليه العرب نظرة تقدير واحترام هي كلمة حكومة يعني فيها تجاوز منه يعني ما يقوم مقامها لأنها لم تكن حكومة بالمعني المعروف حتى في ذلك الزمان كالملك في الفرس والروم كانت تنظر إليه العرب نظرة تقدير و احترام و يرونها قادة و سادة المركز الديني و كانت تلك الحكومة في الحقيقة خليطا من الصدارة الدنيوية والحكومية والزعامة الدينية حكمت بين العرب بإسم الزعامة الدينية لأجل كونها في بلد الكعبة البلد الحرام و حكمت في الحرام و ما ولاه بصفتها حكومة تشرف علي مصالح الوافدين إلي البيت و تنفذ حكم شريعة إبرهيم بزعمهم يعني أو في بعض الأمور و كانت لها من الدوائر والتشكيلات ما يشابه دوائر البرلمان كما أسلفنا يقصد بذلك الندوى التي يجتمعون فيها ولكن هذه الحكومة كانت ضعيفة لا تقدر علي حمل العبء كما وضح يوم غزو الأحباش يوم غزو الأحباش للكعبة تركوا الأمر و لم يكن لهم جيش قوي ينظمه ملكهم وإنما كانوا مضطرين إلي الاستسلام و ترك الدفاع عن البيت انتظار لأمر خارق من عند الله عز و جل،

قال ديانات العرب: وهذا الفصل فصل مهم بلا شك في كيفية حصول الشرك و كيف كان منتشرا وأنواع الفساد في الاعتقاد الذي بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - و قد عم الجزيرة العربية بل والعالم كله من أهل الأرض جميعا قال كان معظم العرب قد اتبعوا دعوة إسماعيل عليه السلام حين دعاهم إلي دين أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فكانت تعبد الله و توحده و تدين بدينه حتى طال عليهم الأمد و نسوا حظا مما ذكروا به يعني بعد تزوج إسماعيل عليه السلام من جرهم و نشأته فيهم و تعربه استعماله اللغة العربية ووجود من كان من نسله من العرب المستعربة كما ذكرنا من قبل إلي عشرة قرون بعد إسماعيل كلهم كانوا علي توحيد الله سبحانه و تعالي كما ثبت ذلك عن ابن عباس إلي أن طال عليهم الأمد و نسوا حظا مما ذكروا به إلا أنهم بقي فيهم التوحيد و عدة شعائر من دين إبراهيم حتى جاء عمرو ابن لحي رئيس خزاعة و كان قد نشأ علي أمر عظيم من المعروف و الصدقة و الحرص علي أمور الدين فأحبه الناس و دانوا له خضعوا له ظنا منهم انه من أكابر العلماء وأفاضل الأولياء ثم انه سافر إلي الشام فرآهم يعبدون الأوثان فأستحسن ذلك و ظنه حقا لان الشام محل الرسل و الكتب فقدم معه بهبل و جعله في جوف الكعبة و دعا أهل مكة إلي الشرك بالله فأجابوه ثم لم يلبس أهل الحجاز أن تبعوا أهل مكة لأنهم غلاة البيت وأهل الحرم و في قصة عمرو ابن لحي أن الشيطان أتاه في المنام و أمره أن يحفر في أماكن معينه وانه سوف يجد أصنافا معدة و فرقها عمرو بن لحي في قبائل العرب و ثبت ذمه في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - يجر قصبه في النار والعياذ بالله لأنه كان أول من سيب السوائب و حمي الحامي و كان أول من ادخل الشرك الصريح إلي العرب لعبادة الأوثان و العياذ بالله والأصنام المعدة التي حفر فوجدها كانت في أصنام قوم نوح منذ ذلك العهد البعيد و هي ما زالت مطمورة تحت التراب فحفر في ألاماكن التي رآها في المنام فوجد الأصنام فأمر بعبادتهم من دون الله و فرقها في قبائل العرب و يقول من أقدم أصنامهم مناة كانت بالمشلل علي ساحل البحر الأحمر بالقرب من قديد ثم اتخذوا اللات في الطائف ثم اتخذوا العزة في وادي نخلة هذه الثلاث اكبر أوثانهم مناة واللات و ألعزي مع هبل ثم كثر الشرك و كثرت الأوثان في كل بقعة من الحجاز و يذكر أن عمرو بن لحي كان له رأي من الجن فأخبره بأن أصنام قوم نوح ودا و سواعا و يغوث و يعوق و نسرا مدفونة بجدة فآتها فاستثارها ثم أوردها إلي تهامة فلما جاء الحج دفعها إلي القبائل فذهبت بها إلي أوطانها حتى صار لكل قبيلة ثم في كل بيت صنم و قد ملئوا المسجد الحرام بالأصنام و لما فتح رسول الله صلي الله عليه و سلم مكة وجد حول البيت ثلاث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت