الرحيق المختوم رقم (25)
لفضيلة الشيخ: ياسر بر هامي
الحمد لله و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد أن محمد عبده و رسوله صلي الله عليه و اله و سلم أما بعد قال المصنف حفظه الله بعد ذكر سرية عبد الله بن جحش و التي تعرف بسرية نخلة و ما وقع فيها من القتال في الشهر الحرام و نزول الآيات في ذلك قال أما المسلمون فقد فرض الله عليهم القتال بعد واقعة سرية عبد الله بن جحش في شهر شعبان سنة اثنين من الهجرة و أنزل في ذلك آيات بينات و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم و لا تعتدوا أن الله لا يحب المعتدين و هذه الآية ذكرها الإمام بن القيم رحمه الله في كلامه علي مراحل تشريع الجهاد إنها التي دلت علي وجوب قتال الدفع فكان القتال في مكة المكرمة محرما و هناك أمر بالكف و العفو و الصفح قال عز وجل الم تري إلي الذين قيل لهم كفوا أيديكم و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية و قالوا ربنا لما كتب علينا القتال و هذا دليل علي أن القتال لم يكن مكتوبا ثم صار مكتوبا بل كان ممنوعا منه مأمور بالصبر و الصفح و الكف و الإعراض عن الجاهلين و كان القتال محرما ثم صار القتال بعد ذلك مأذونا فيه لقوله عز وجل أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و أن الله علي نصرهم لقدير ثم ذكر أنه صار مأمورا به لمن قاتل دون من يقاتل بهذه الآية الكريمة و قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا و هذا النهي عن الاعتداء فيه تفسيران الأول لا تعتدوا بقتال من لم يقاتلكم و هذا علي هذا القول تكون الآية منسوخة بآيات السيف و الآية التي بعدها و هي و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين لله و كذلك بقوله عز وجل فإذا انسلخ ... و قاتلوا المشركين حيث وجدتموهم و خذوهم و أحصروهم و أقعدوا لهم كل مرصد فهي تبدأ المشركين بالقتال و القول الثاني ولا تعتدوا في قتالكم و التعدي و العدوان هو مجاوزة ما شرعه الله سبحانه و تعالي و ذلك لفعل ما نهي الله عز وجل عنه مما قد يفعله الكفار مثلا من قتل النساء و الأطفال أو من التمثيل بجثث القتلى أو من الغدر و نقض العهود و نحوا ذلك فإن المشركين قد يستحلوا هذه الأمور ولا يوفوا بعهد ولا بذمة ولا يجوز للمسلمين أن يعتدوا فمن عاهدوا وجب عليهم أن يوفوا بالعهد ولو قتل المشركون أطفال المسلمين مثلا قصدا لما جاز للمسلمين أن يقتلوا أطفالهم قصدا ولو قتلوا نسائهم ما جاز للمسلمين أن يقتلوا نسائهم قصدا كذلك إلا أن تقاتل أمراه أو يرمي الكفار بما يعم أتلافه كنار أو منجنيق أو إرسال الماء عليهم مما يترتب عليهم قطعا بعض من يكون فيهم من النساء و الأطفال لكن هذا الاعتداء هو مخالفة الشرع و علي هذا تكون الآية محكمة و هو الأصل و لذلك كان هذا التفسير أولي و الله أعلي و أعلم وهو أن لا تعتدوا في قتالكم و ليس من الاعتداء المنهي عنه بل الكفار المصرين علي شركهم و كفرهم بالقتال حتى يتوبوا و يقيموا الصلاة و يأتوا الزكاة أو يأدوا الجزية ليس هذا من الاعتداء المحرم و إنما الاعتداء هو تجاوز حدود الشرع هذا اقرب أن الله لا يحب المعتدين دليل علي أن هذه الآية مما لا يصح القول فيه بالنسخ و الله اعلي و اعلم إذا كان قتال من لم يقاتل اعتداء فالله لا يحب ذلك أبدا و هذا لا يشرع و هذا قد شرع كما ذكرنا بالأدلة فدل ذلك علي أن الاعتداء المنهي عنه و مجاوزة حدود الشرع قال عز وجل و (( أقتلوهم حيث ثقفتموهم أي"حيث وجدتموهم"و أخرجوهم من حيث أخرجوكم و الضمير يعود علي الذين أمروا بقتالهم وهم الذين قاتلوهم و الفتنة اشد من القتل و الفتنة قد فسرها أهل العلم في هذا الموضع بالشرك و فسروها بفتنة المسلمين عن دينهم و كلاهما متلازم فأن الكفر و الشرك إذا ظهرا في أرض فأنه يصد عن سبيل الله و يفتن الناس عن دين الله عز و جل و إما بالتعذيب و الأذى و الاضطهاد و إما بالطعن في الدين و كلاهما من أعظم الأمور صدا عن سبيل الله و قد قال سبحانه و تعالي(و أن نكسوا أيمانهم من بعد عهدهم و طعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون) و تبين بذلك إن الطعن في الدين و أن مهاجمة الإسلام لا تصح أبدا إن تكون مع وجود العهد فأن ذلك لا عهد له لمن فعل ذلك فلا يمكن للمسلمين إن يعاهدوا الكفار علي حرية الطعن في الدين و حرية تشويه صورة الإسلام بل هذا نكس للعهد بلا شك و الشرط الأساسي إن يكفوا ألسنتهم عن دين الإسلام فإن اعتقدوا ما يعتقدون في بواطنهم فلا يجوز لهم إن يظهروها بألسنتهم من أنواع الطعن في الدين و محاربة الإسلام كمنهج و ملة يجب علي الناس جميعا إن يدخلوا فيها فأن هذا من الفتنة التي هي اشد من القتل