الصفحة 142 من 194

محاضرة بعنوان الرحيق المختوم رقم (24)

لفضيلة الشيخ: ياسر بر هامي

الحمد لله و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد أن محمد عبده و رسوله صلي الله عليه و اله و سلم أما بعد قال المصنف حفظه الله:

بعد أن بين نزول الإذن بالقتال لقوله عز وجل (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا و إن الله علي نصرهم لقدير) و أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أختار لتحقيق التمكين لدين الله عز وجل في الأرض خطتين الخطة الأولي عقد معاهدات الحلف أو عدم الاعتداء مع القبائل التي كانت مجاورة لهذا الطريق طريق قريش التجارية التي تمر علي المدينة أو قريبا منها و الخطة الثانية إرسال البعوث واحدة تلو الاخري إلي هذا الطريق.

قال الغزوات و السرايا قبل بدر:

قال و لتنفيذ هاتين الخطتين بدأ في المسلمين النشاط العسكري فعلا بعد نزول الإذن بالقتال فقاموا بحركات عسكرية هي أشبه بالحركات الاستطلاعية و كان المطلوب منها هو الذي أشرنا إليه من الأستكشاف و التعرف علي الطرق المحيطة بالمدينة و المسالك المؤدية إلي مكة و عقد المعاهدات مع القبائل التي مساكنها علي هذه الطرق و إشعار مشركي يثرب و يهودها و أعراب البادية حولها بأن المسلمين أقوياء و أنهم تخلصوا من ضعفهم القديم و إنذار قريش عقبي طيشها حتى تفيق من غيها الذي لا تزال تتوغل في أعماقه لعلها تشعر بتفاقم الخطر علي اقتصادها و أسباب معايشها فتجنح إلي السلم و تمتنع عن إرادة قتال المسلمين في عقر دارهم و عن الصد عن سبيل الله و عن تعذيب المسلمين المستضعفين في مكة حتى يصير المسلمين أحرار في إبلاغ رسالة الله في ربوع الجزيرة ولا شك أن بداية أمر القتال كان يشكل بالنسبة لقريش تهديدا خطيرا و انتقاله نوعية في دعوة الإسلام و هو في الحقيقة ليس فقط بالنسبة لقريش بل لتاريخ الإسلام كله و ذلك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بالقتال لإقامة دين الله في الأرض كما وعد الله عز وجل بذلك في الكتب السابقة التي أنزل فيها وصفه - صلى الله عليه وسلم - و انه لن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء و انه لن يقبضه حتى يعبد الله سبحانه و تعالي في الأرض وحده لا شريك له و كان ذلك إذانا بأن دعوة الإسلام ليست مجرد دعوة مجردة بالكلمة و الموعظة دون أن يكون لها سيف يحميها و دون فرض الحق بالقوة اللازمة و الدفع للباطل بهذه القوة فقد كان هناك أنبياء سبقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمروا بقتال عندما أمروا بالدعوة المجردة و الله عز وجل هو الذي يتكفل بنصرهم و التمكين لهم و جعل العاقبة لهم علي أقوامهم و أهلاك الأقوام بآيات من عنده سبحانه و تعالي كان أولهم نوح اهلك الله قومه بالطوفان ثم عاد أهلكهم الله بالريح الصرصر العاتية ثم ثمود أهلكهم الله عز و جل بالصيحة و الرجفة ثم مدين أهلكهم الله عز وجل بالكسف الذي أرسله الله عليهم من السماء و كذلك بالرجفة و أهلك الله سبحانه و تعالي القرون الأولي ثم آتي موسي الكتاب و كان أول أمر بالقتال لنبي من أنبياء الله لنبي الله موسي - صلى الله عليه وسلم - لكنه كان أمرا محدودا لم يكن أمرا بالقتال في كل مكان أو في الأرض كلها ذلك أن بني إسرائيل ليست هي الأمة المؤهلة لأن تقيهم دين الله في الأرض كلها إنما كان أمرا بالقتال لتحرير بيت المقدس و إقامة دين الله في الأرض المقدسة و أبو بنو إسرائيل ذلك أول ما كلفوا به في زمن موسي و فارقهم موسي - صلى الله عليه وسلم - لما أبو القتال و قالوا أذهب أنت و ربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون قال ربي إني لا أملك إلا نفسي و أخي فأفرق بيننا و بين القوم الفاسقين قال فأنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس علي القوم الفاسقين و نفذ المؤمنون مع يوشع بن نون - صلى الله عليه وسلم - بعد موسي ما أمر به الجيل الأول الذي تمرد علي هذا الأمر و لم يقم به و قاتلوا حتى فتح الله عليهم بيت المقدس و هكذا ظل هناك أنواع من القتال في بني إسرائيل تارة يقومون به كما وقع في زمن طالوت و جالوت و سليمان عليه الصلاة و السلام و تارة أو تارات لا يقومون به و يظهرون الإعراض و التخاذل عن إقامة الدين حتى في البقاع التي جعلت لهم ووعدوا بإقامة الدين فيها إذا هم أطاعوا الله عز وجل و كان عيسي - صلى الله عليه وسلم - آخر أنبياء بني إسرائيل و لم تكتمل دعوته إذ أن اكتمالها إنما يكون بعد نزوله آخر الزمان - صلى الله عليه وسلم - و لم يقاتل أتباعه كذلك و لكن جعل الله عز وجل هذا الانتقال بتشريع القتال لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بعد الدعوة و البيان نقطة انتقال في تاريخ الإسلام كله بل في تاريخ البشرية كلها بلا شك و كان ما ذكر الشيخ رحمه الله من أهداف هذه السرايا وهي التي لا يخرج فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - و الغزوات و هي التي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت