محاضرة بعنوان الرحيق المختوم رقم (29)
لفضيلة الشيخ: ياسر بر هامي
الحمد لله و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد أن محمد عبده و رسوله صلي الله عليه و اله و سلم أما بعد قد ذكرنا ان القرآن قد بين الحكم و الفوائد العظيمة من قصة غزوة بدر و ذكر المواعظ و الدروس المستفادة منها في سورة الأنفال وهي سورة مدنية باتفاق العلماء قال بن كثير رحمه الله آياتها سبعون وست آيات كلماتها ألف و ستمائة وواحد وثلاثين كلمة حروفها 5294 و الله أعلم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
{يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ - أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ - كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ - يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ - وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ - لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ - إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ - وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ -}
أول ما يلفت نظرنا في بداية هذه السورة العظيمة التي سجلت فيها غزوة بدر و عادة ما يكون في كلام الناس في تسجيل الانتصارات أن يبدأ بتعظيم النصر و تفخيمه و ذكر ما وقع من الأبطال أثناء المعركة و قبل ذلك نجد للقرآن طريقة تباين هذه الطريقة بالكلية نجد انه وقع من الصحابة رضي الله عنهم ثلاثة أمور كان فيها تقصير و كان فيها نقص بعضها كان أمرا ظاهرا و بعضها كان أمرا قلبيا فنلحظ ان السورة بدأت أولا بمعالجة هذه الأمور الثلاثة
الأمر الأول: ما حدث بينهم في نزاع في الغنائم و ما ساءت أخلاقهم فيها
الأمر الثاني: ما وقع من بعضهم عند الخروج من حديث نفس في كراهية الخروج و أنه كان ما يحب ان يخرج
و الأمر الثالث: هو ما وقع في نفوس بعضهم من تمني نيل القافلة دون الجيش تمني ملاقاة القافلة التجارية دون الجيش نجد هذا الأمر يوضح لنا كيف ان القرآن كان شفاء لما يقع في صدور المؤمنين كان ولم يزل و أن قضية القلوب و الإيمان و الأخلاق هي القضية العظمي التي يجب علي أهل الإيمان ان ينتبهوا لها دائما إن الجهاد شرع كي يؤمن الناس ولا يتصور ان يهمل المجاهدون أنفسهم في تحقيق ذلك الهدف العظيم و لذا جاءت الآيات ببيان من هم المؤمنون حقا و صفاتهم الإيمانية الداخلية أو الباطنة و الخارجية أو الظاهرة أحوال القلوب ثم أعمال الجوارح و الأخلاق كان هذا علاجا في المقدمة لما يمكن ان يقع من أمراض دائما تقع في البشر المنتصرين هذه الأمة تعد إعدادا خاصا القرآن يربيها تربية إيمانية حتي في خلجات النفوس و في خواطر القلوب و في أعمال القلوب هي المحك الأساسي لهذه التربية ولذا تكون هذه الخلجات و هذه الرغبات واضحة مبينة يستفاض فيها و تبين كأنها تشرح للمسلمين ما في نفوسهم لكي يعرفوا موطن المرض هذه الأمة تعد إعدادا خاصا تعد لقيادة البشرية سوف تفتح لها المشارق و المغارب و الكنوز تأتي بين أيديها فلو تركت هذه الأمراض كما هو ملحوظ حتي في طوائف أهل الإيمان الذين يجاهدون و يقاتلون في سبيل الله إذا لم تتم التربية و المعالجة الإيمانية لأحوال القلوب ماذا يقع عند النصر و عند الهزيمة من أنواع البلايا و المحسن و من أنواع الأمراض الفتاكة القاتلة التي تهدم المجتمع و تدمر الطائفة المؤمنة إن وجدت فيها ما يحدث من التعظيم و التفخيم و الإعجاب بالنفس عند الانتصار و الصراع علي الرياسة و الملك و الفوز بأكبر نصيب من زخرف الدنيا من المال أو من الغنيمة أو من غيرها و عدم الإلتفات إلي إصلاح القلوب و أما ما يكون عند الهزيمة فخطر عظيم إذا كانت الأمراض مستشرية في القلوب من إرادة الدنيا و تعلق القلب بها و لذلك كانت هذه المقدمات قبل ذكر ما نصرهم الله عز وجل به في غزوة بدر الذي إنما وقع في وسط الكلام و ما نسب لهم الفضل بل نسبه لله سبحانه و تعالي الذي هو أهله و الفوز منه وحده لا شريك له و ذلك حتي لا ترتفع النفوس فوق منزلتها حتي لا تنسب لنفسها ما ليس لها كانت هذه التربية الإيمانية لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعدهم لما سيأتي بعد ذلك كانت مغانم بدر بالنسبة إلي ما سوف يفتح عليهم من كنوز لم تخطر ببالهم و ما رأوها قط كانت تهذيبا و كان ما نزل من الآيات في شأنها تهذيبا و إصلاحا و فطما للنفوس عن شهواتها فطمت هذه الآيات نفوس الصحابة عما كانوا يشتهونه و يريدونه كما كانوا في الجاهلية يفعلون فنزلت بداية هذه السورة بقوله عز وجل يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ