المحاضرة بعنوان: الرحيق المختوم (13)
لفضيلة الشيخ د/ ياسر برهامي (حفظه الله)
الحمد لله نشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد أن محمد عبده و رسوله صلي الله عليه واله و سلم أما بعد: قال المصنف حفظه الله:
عام الحزن
وفاة أبي طالب: الح المرض بأبي طالب فلم يلبث أن وافته المنية كانت وفاته في رجب سنة عشر من النبوة و تحديد وفاة أبي طالب و بداية عام الحزن هو مختلف فيها و لكن هذا الذي مال إليه و قيل توفي في رمضان بعد الخروج من الشعب بستة اشهر و قيل توفي في رمضان قبل وفاة خديجة رضي الله عنها بثلاثة أيام و في الصحيح عن المسيب أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - و عنده أبو جهل فقال أي عمي قل لا اله إلا الله كلمة احاج لك بها عند الله أي اطلب لك بها الحجة و يطلب له بها النجاة عند الله عز و جل فقال أبو جهل و عبد الله ابن أبي أمية يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب فلم يزالا يكلماه حتى قال أخر شئ كلمهم به علي ملة عبد المطلب فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأستغفرن لك ما لم انهي عنك فنزلت (ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولي قربي من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) و نزلت انك (لا تهدي من أحببت) هذه الواقعة يعني في السيرة لها أثرها الهائل في بيان عقيدة التوحيد و والولاء و البراء علي حساب أي رابطة أخري من روابط العشيرة و القرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب أن يهتدي أبو طالب محبتة عظيمة وهو الذي يحوطه و يدفع عنه وسبحان الله الله عز و جل اعلم بالمهتدين واعلم بما يناسبه الهدي أبو طالب كان يفعل ذلك و لكن لم يكن يفعله ابتغاء وجه الله عز و جل وإنما كان رعاية للقرابة و العاطفة النسبية المحضة و لو كان يفعله لله سبحانه و تعالي لاجاب دعوة النبي صلي الله عليه و سلم فهو سبحانه و تعالي اعلم بالمهتدين و أن كانت حياطته للنبي - صلى الله عليه وسلم - سببا في أن يناله شئ من شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في التخفيف من عذابه لا في إخراجه من عذابه بالكلية ثبت من حديث أبي سعيد انه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - و ذكر عنده عمه فقال لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحداح من النار تبلغ كعبيه يغلي منهما دماغه وهو اهون أهل النار عذابا نعوذ بالله من ذلك فهذه الواقعة في الحقيقة تدل علي خطر العادات و التقاليد علي الإنسان و خطر اصدقاء السوء و خطر تعظيم الإسلاف و الاكابر انه من اجل أن يقول الناس كذا كما قال في رواية في الصحيح قال لولا أن يقول الناس حمله علي ذلك كالجزع لأقررت بها عينك فقد كان يعلم صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و دفاعه عنه و يقينه حين خرج من الشعب ليجزم لهم بأن الأرضة قد اكلت الصحيفة إلا ما كان فيها من ذكر الله صحيفة الظلم و العدوان و المقاطعة التي كانوا قد كتبوها و علقوها في الكعبة من غير أن يراها كان جازما بصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - و لكن حال الله بينه و بين أن ينطق بكلمة تكتب له بها السعادة الابدية حال الله بينه و بين النطق بهذه الكلمة بسبب مراعاته للأسلاف انه رغب جدا في أن يموت علي ملة عبد المطلب فمات علي ملة عبد المطلب التي هي عبادة الأوثان و العياذ بالله و في هذا الحديث الرد علي من زعم أن عبد المطلب و اسلافه و اشباهه يعني كانوا معذورين أو كانوا قد اسلموا فأن هذا الحديث يرد عليهم و لو كانوا معذورين لما انزل الله في ذلك ما كان للنبي و الذين امنوا أن يستغفروا للمشركين و لو كانوا أولي قربي من بعد ما تبين لهم أنهم من أصحاب الجحيم و هذا دليل علي أن من اباء النبي صلي الله عليه و سلم من كان مشركا صراحة و هذا مما لا نقص فيه علي النبي - صلى الله عليه وسلم - بحال و من يزعم أن أبي النبي - صلى الله عليه وسلم - و أمه احيوا له فأسلموا ثم ماتوا مرة ثانية فهذا مما لا دليل عليه و الجد أب فإذا ثبت أن المطلب كان علي ملة الشرك و أن أبي طالب مات علي ملته و انزل الله في ذلك انه من أصحاب الجحيم تبين بذلك أنه لا يضر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكون اباه علي الشرك و كذا أمه بل هذا من آيات الله سبحانه و تعالي في وجوب البراءة من المشركين و لو كانوا من ذوي القربي أو من اقرب الاقربين و قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأستغفرن لك ما لم انهي عنك مع تأخر نزول الآية {ما كان للنبي و الذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} و الظاهر أنها نزلت ضمن سورة براءة و هي نزلت سنة تسع من الهجرة دل ذلك علي انه استغفر له لأنه جزم و اكد انه سيستغفر حتى ينهي فنهي و لم يقبل استغفاره لعمه أبي طالب فدعي النبي - صلى الله عليه وسلم - له و لم يقبل دعاءه ولو استغفر له سبعين مرة فانه مات مشركا لن يقبل الله عز و جل استغفاره كما قال له في حق المنافقين أن تستغفر له سبعين مرة فلن يغفر الله لهم و هذا من أعظم ما يؤكد حقيقة التوحيد فالامر لله وحده لا شريك له والمغفرة باذنه فالملك ملكه ليس للنبي - صلى الله عليه وسلم - من الأمر شئ فكيف بمن دونه عليه الصلاة و السلام الذين يعتقدون أن الأولياء لهم سكوك للغفران يغفرون لمن أتي قبورهم أو حضر موالدهم أو شفعوا له بأي وجه