المحاضرة بعنوان: الرحيق المختوم (14)
لفضيلة الشيخ د/ ياسر برهامي (حفظه الله)
الحمد لله نشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد أن محمد عبده و رسوله صلي الله عليه واله وصحبه و سلم أما بعد: قال المصنف حفظه الله في رحلة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلي الطائف و عودته منها و إرسال ربنا سبحانه و تعالي ملك الجبال يسأله ما شئت أن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين جبلا مكة لفعلت فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بل أرجو أن يخرج الله عز و جل من أصلابهم من يعبد الله عز و جل وحده لا يشرك به شيئا و قد كان ما رجاه النبي - صلى الله عليه وسلم - قال و خلال أقامته هناك بعث الله إليه نفر من الجن ذكرهم الله في موضعين من القرآن في سورة الأحقاف و في سورة الجن في سورة الاحقاف قال عز و جل (و إذ صرفنا إليك نفر من الجن يستمعون القران فلما حضروه قالوا انصتوا فلما قضي ولو إلي قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاب انزل من بعد موسي مصدق لما بين يديه يهدي إلي الحق و إلي طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله و امنوا به يغفر لكم من ذنوبكم و يجيركم من عذاب اليم) و هذا هو المشهور أن هذا النفر من الجن صرفوا إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرا القران بنخلة المكان الذي كان بين مكة و الطائف و كان ذلك بسبب أن الشياطين علمت أن السماء قد حرست و شدد في حراستها و زيد في الشهب حتى عجزوا عن الاستماع فأرسلوا وفودهم في الأرض يجوبونها يبحثونها عن سبب ذلك فوفق الله عز و جل طائفة منهم لسماع القران فعلموا انه من اجله حرست السماء قال تعالي (فلما قضي ولو إلي قومهم منذرين) و فيه دلالة علي أن الجن ليس فيهم رسل و إنما نذر فهم منذرون لقومهم قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتاب انزل من بعد موسي ... إذن التشابه بين التوراة و القران فانهنا كتابي تشريع بخلاف الإنجيل فانه مواعظ و التشريعات فيه معتمدة اعتماد تاما علي التوراة إلي شيئا يسيرا و قيل لان هؤلاء الجن كانوا من اليهود فلم يعلموا ما نزل علي عيسي و الأول اظهر والله اعلي و اعلم فأن نبأ المسيح انتشر في الأرض كلها و إنما الإنجيل كأنه متمم للتوراة وأما القران فهو كتاب مستقل متضمن لوجوه الأعجاز كلها ووجوه البيان في أصول الأيمان و العقائد و أصول الأعمال و العبادات و أصول المعاملات و الأخلاق و ما يحتاج إليه الفرد و الجماعة فلذلك كان هذا الذكر للقران بأنه انزل من بعد موسي مصدقا لما بين يديه أي من الكتب السماوية من الدعوة إلي التوحيد و تصديق رسل الله و في الشرائع الإجمالية التي لا يختلف فيها الكتب السماوية كتحريم الظلم و الزنا و الفواحش و غير ذلك مما اتفقت عليه الشرائع و الأمر بالصلاة و الصدقة و الصوم و نحوها يهدي إلي الحق و إلي طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله و في هذا دليل لما أجمعت عليه الأمة من أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسول إلي الجن أيضا كما انه رسول إلي الإنس فهو داعي الله إليهم و يجب الأيمان به ولا نزاع بين أهل الإسلام في أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسول الثقلين رسول الإنس و الجن وان من لم يؤمن به من الإنس أو من الجن فهو كافر مخلد في النار مشرك بالله يا قومنا أجيبوا داعي الله و امنوا به هو داعي الله إليهم إذن هو يدعوهم إلي الله و امنوا به يغفر لكم من ذنوبكم و يجيركم من عذاب اليم يغفر لكم من ذنوبكم يعني قال البعض أن الجن لا تغفر لهم الذنوب كاملة و ليس كذلك بل من هنا لبيان الجنس وهي من جهة المعني صلة يعني يغفر لكم ذنوبكم كما قال نوح عليه السلام يغفر لكم من ذنوبكم فهذا الخطاب خوطب به الجن و خوطب به الإنس و يجيركم من عذاب اليم احتج به من يقول أن الجن أن مؤمنيهم لا يخلون الجنة لأنهم إنما وعدوا بالنجاة من النار و ليس بصحيح و ليس بهذا الاحتجاج بقوي فأن مؤمني الجن امتن عليهم بالجنة كمؤمني الإنس قال تعالي و لمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان فمن آلاء الله و نعمه علي الجن كما هي علي الإنس و جود الجنة و دخول من خاف مقام ربه الجنة و الآية عامة في من امن و عمل صالحا فهي تشمل الإنس و الجن و ذكر الإجارة من عذاب النار هنا لا يعني أن ليس بهم ثوابا بل إذا غفرت الذنوب و أجيروا من العذاب الأليم دخلوا الجنة قال و في سورة الجن (قل أوحي إلي انه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قران عجبا * يهدي إلي الرشد فأمنا به و لن نشرك بربنا أحدا *) إلي تمام الآية الخامسة عشر و من سياق هذه الآيات و كذا من سياق الروايات التي وردت في تفسير هذا الحادث يتبين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعرف بحضور ذلك النفر من الجن و إنما علم ذلك حين أطلعه الله عليه بهذه الآيات وان حضورهم هذا كان لأول مرة و يقتضي سياق الروايات أنهم وفدوا بعد ذلك مرارا وهذا هو الصحيح أول مرة استمع الجن فيها القران لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشعر بهم ثم بعد ذلك لقيهم مرات و علمهم و الزمهم الشرائع يقول و حقا كان هذا الحادث نصرا أخر أمده الله من كنوز غيبه المكنون بجنوده التي يعلمها ألا هو قد كفر رؤساء الإنس به و مع ذلك فتح الله له إيمان مؤمني الجن وهذه الملائكة تأتي تأتمر بأمره عليه الصلاة والسلام و كان هذا إجابة لدعوته فيما دعا إليه عليه الصلاة و السلام و شكواه ضعف القوة و قلة الحيلة وهوانه علي الناس فبين الله له منزلته العظيمة و انه عزيز بما اعزه الله عز و جل به فإذا كانت ملائكة السماء تأتمر بأمره