محاضرة بعنوان الرحيق المختوم رقم (21)
لفضيلة الشيخ: ياسر بر هامي
الحمد لله و أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد أن محمد عبده و رسوله صلي الله عليه و اله و سلم أما بعد قال المصنف حفظه الله.
في الكلام علي الحالة الراهنة في المدينة بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها قال المرحلة الأولي الحالة الراهنة في المدينة عند الهجرة لم يكن معني الهجرة هو التخلص من الفتنة و الاستهزاء فحسب بل كانت الهجرة مع هذا تعاونا علي إقامة مجتمع جديد في بلد آمن ولذلك أصبح فرضا علي كل مسلم قادر ان يسهم في بناء هذا الوطن الجديد و أن يبذل جهده في تحصينه ورفعة شأنه ولا شك ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام و القائد و الهادي في بناء هذا المجتمع وكانت إليه أذمة الأمور بلا نزاع تضمنت هاتان العبارتان المعني الأول وهو وجوب الهجرة إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - و وجوب هذه الهجرة كان لكل عاجز عن إقامة دينه في وسط قومه وقد كان هناك من القبائل ما يسر الله عز وجل له أن يبقوا محافظين علي إسلامهم في بلدهم كعبد القيس وهم ممن أسلم مبكرا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ولا يزال يواجه المشركين و يقاتلهم قبل فتح مكة وهؤلاء عندما أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - علمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أركان الإيمان و الإسلام و أمرهم بالتزام الشرائع و بجهاد عدوهم وهم في بلدهم فتبين بذلك أن الهجرة كانت واجبة علي القادر عليها المستضعف الذي لا يستطيع إقامة دينه وسط الكفار وكانت مستحبة لمن كان قادرا علي إقامة الدين هكذا كانت ولا تزال هذه أحكامها و أما العاجز عن ... لأنعدام طريق لقلة حيلة لأنعدام الزاد لحصار الكفار له فإن الهجرة في حقه لا توصف بوجوب ولا استحباب ولا إباحة لأنها معجوز عنها و شرط تعلق الأحكام التكليفية بالهجرة أن تكون مقدورا عليها أما إذا كان الإنسان عاجز عن فعل معين عجز كليا فلا يقال في حقه هو واجب أم مستحب أم مباح و كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستنفر في الغزوات أهل المدينة و من حولهم من القبائل القريبة و أما من كان بعيدا عنه عليه الصلاة و السلام فكان يأمرهم بقتال عدوهم و ان يؤدوا خمس ما غنموا في المصارف الشرعية و يستمر علي الإقامة ببلدهم و أما المعني الثاني فهو ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الإمام و هذا معني زائد علي معني الهداية هداية البيان و بلاغ الرسالة وظيفة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت بلا شك في تبليغ ما أمره الله عز وجل و أداء ما ائتمنه الله سبحانه و تعالي عليه من الوحي وهذه الوظيفة لم تتغير بين مكة و المدينة و أما الذي تغير بالهجرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صار هو الإمام و القائد و الرئيس لهذا المجتمع الجديد لهذه الدولة المسلمة كان المسلمون في مكة يسمعون كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - و يطيعونه ولكنهم كانوا في نفس الوقت مستضعفين و كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يستطيع أمضاء الأحكام بالغلبة و القهر لمن خالفه ولذلك ما أنزل الله عز وجل عليه في هذه المرحلة المكية الحدود أو التعزيرات أو غيرها من أنظمة حياة المجتمع المسلم و إنما نزلت هذه الأنظمة في المدينة بعد ان استقرت أحوال المسلمين بها و صار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو القائد و الإمام لهذا المجتمع ولهذه الدولة فهذه وظيفة أخري للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه لا تختص به كنبي كما فهم ذلك الصحابة رضي الله عنهم فإنهم بمجرد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - أقاموا الخلافة لكي تظل الوظيفة الثانية التي هي إقامة الدين و سياسة الدنيا بالدين وظيفة الإمامة و الرياسة للمجتمع المسلم قائم فاختاروا أبي بكر ثم تتابع الاختيار و صار هذا الكيان المسلم ليس مجرد دعوة من أراد ان يستجيب لها استجاب و من أراد ان يترك ترك و إنما صار هذا الكيان دولة قائمة بذاتها مختلفة و مستقلة عن سائر الدول الاخري لها أنظمة الحياة المتكاملة في سياستها و اقتصادها و اجتماعها و حربها و سلمها و سياستها المستقلة و المختلفة تماما عن نظم الجاهلية في الدول أو في الطوائف و الجماعات و القبائل الأخرى التي كانت موجودة قبل ذلك وهذا أمر لا ينازع فيها اثنان من أهل الإسلام فإنما نازع فيه الضلال الزنادقة من المتأخرين الذين أرادو أن الإسلام مجرد دعوة أو سلوك شخصي بين العبد و ربه وليس يهدف إلي إقامة كيان سياسي و دولة مستقلة ولها أنظمة الحياة التي تتبعها بعيدا عن أنظمة الحياة الجاهلية و عندما أصدر هؤلاء كلامهم أشتد عليهم النكير من أهل الإسلام في المشارق و المغارب و أخبروهم بما أمر به الله عز وجل نبيه - صلى الله عليه وسلم - من أوامر في توجيه المجتمع و إقامة الحقوق و الحدود فيه وإقامة الواجبات الشرعية بخطاب يا أيها الذين آمنوا و نادرا جدا ما كان الخطاب يا أيها النبي كنحو يا أيها النبي إذا طلقتم النساء أما يا أيها الذين آمنوا أو الأوامر التكليفية للمؤمنين فكانت إيذانا واضحا بأن هذا خطاب للأمة ككل و إن كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الممثل لإقامتها بوصفه وهو الإمامة الإمام و القائد الهادي أيضا الهادي هذا وظيفة النبوة أما الإمام و القائد فهذا فيما يتعلق بالأمر و النهي و سياسة الدولة كما ذكرنا بل من أهل العلم وله الحق في ذلك من كفر من نفي وجود الدولة في الإسلام و أن نظام الحكم لا دخل للإسلام به ولا شك في بدعة و ضلال من قال ذلك و الحقيقة أنها بدعة مكفرة فعلا فإن إنكار أنظمة الحياة في المجتمع المسلم من أنواع مختلفة من الحسبة و القضاء و نظام العقوبات و النظام السياسي و النظام الاقتصادي و النظام الاجتماعي إنكار ذلك بالكلية و انه لا دخل للإسلام بنظام الحكم لا شك أنه من إنكار المعلوم من الدين بالضرورة ولو تصور جهل أو تأويل فإقامة الحجة علي ذلك بأيسر طريق لبيان نصوص الكتاب و السنة و الإجماع قال المصنف و الأقوام ...