الصفحة 14 من 194

المحاضرة بعنوان: الرحيق المختوم (3)

لفضيلة الشيخ د/ ياسر برهامي ... (حفظه الله)

الحمد لله و اشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له و اشهد أن محمد عبده و رسوله صلي الله عليه و سلم أما بعد:

قال الشيخ المباركفوري في كتابه الرحيق المختوم تحت عنوان الحكم في سائر العرب قال قد سبق لنا أن ذكرنا هجرة القبائل القحطانية العدنانية وان البلاد العربية قسمت فيما بينها كما كان من هذه القبائل بالقرب من الحيرة كان تبعا لملك العرب بالحيرة وما كان منها في بادية الشام كانت تبعا للغساسنة إلا أن هذه التبعية كانت اسمية لا فعلية و أما ما كان منها في البوادي في داخل الجزيرة فكانت حرة طليقة و في الحقيقة كان لهذه القبائل رؤساء تفوضهم القبيلة و كانت للقبيلة حكومة مصغرة أساس كيانها السياسي الوحدة العصبية والمنافع المتبادلة في حماية الأرض و دفع العدوان عنها و كانت درجة رؤساء القبائل في قومهم كدرجة الملوك فكانت القبيلة تبعا لرأي سيدها في السلم و الحرب لا تتأخر عنه بحال و كان له من الحكم و الاستبداد بالرأي ما يكون لدكتاتوريهم قوي حتى كان بعضهم إذا غضب غضب له ألوف من السيوف لا تسأله فيما غضب إلا أن المنافسة في السيادة بين أبناء العم كانت تدعوهم إلي المصانعة بالناس من بذل الندي و إكرام الضيف والكرم و الحلم و إظهار الشجاعة والدفاع عن الغير حتى يكسبوا المحامد في أعين الناس ولاسيما الشعراء الذين كانوا لسان القبيلة في ذلك الزمان وحني تسموا درجتهم عن مستوي المنافسين و كان للسادة و الرؤساء حقوق خاصة فكانوا يأخذون من الغنيمة بالمرباع والصفي والنشيطة والفضول يقول الشاعر لك المرباع فيما والصفايا وحكمك و النشيطة والفضول والمرباع ربع الغنيمة والصفي ما يصفيه الرئيس بنفسه قبل القسمة والنشيطة ما أصاب الرئيس في الطريق قبل أن يصل البيضة القوم والفضول ما فضل من القسمة مما لا تصح قسمة علي عدد الغزاة كالبعير والفرس و نحوهما و فائدة هذا الكلام أن تبين لنا الواقع الذي بعث فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - أولا من جهة أن لم يكن للعرب دولة واحدة إنما كنت كل قبيلة لها رياستها و لها وجاهتها و كان هذا بالتأكيد يمثل ضعفا في المجموع مما جعل عدم وجود رابطة واحدة بين هذه القبائل و بعضها يصعب جمعها علي رأي واحد و لكن يتضح لنا مدي مكر اليهود حين نري في غزوة الأحزاب أنهم استطاعوا أن يجمعوا كل قبائل العرب الكبرى من اجل حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ونحن نعلم انه لم يكن لهم قائد واحد فلماذا اجتمعوا علي حرب الإسلام هذا ينبئنا عن طبيعة الكفر و طبيعة العداوة التي هي سمة دائمة في الكفار عندهم استعداد لان يتحزبوا علي حرب الدين ولو لم يكن من جمع يجمعهم إلا هذا الأمر لو تناقضت مذاهبهم لو تناقضت دولهم و تناقضت عقائدهم و مع ذلك فهم مستعدون لأن يعادوا الإسلام وأمر ثاني وهو أن عدم وجود سلطة مركزية قوية تجمع القبائل العربية جعلت وجود دولة الإسلام الأولي مع مرور الزمن هو أول وحدة تجمع العرب جميعا و لتكن القبائل العربية قادرة بعد أن قويت دولة الإسلام ووقفت في صف قريش اكبر القبائل لم يعد لها اختيار في حقيقة الأمر و لم يعد لها قدرة علي المقاومة وإنما دخلوا في دين الإسلام و دخلوا تحت طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين معه عليه الصلاة والسلام وجود الدولة المركزية القوية كما كانت في الفرس والروم كانت بالتأكيد عقبة في انتشار الإسلام من داخلها إنما انتشر الإسلام فيها بعد قهر هذه الدول وبعد غلبتها العرب الإسلام نشأ فيها من داخل القبائل العربية و من كل قبيلة اسلم طوائف و دخلت الطوائف كلها في الإسلام بعد فتح مكة كما وصف الله عز و جل

(( إذا جاء نصر الله والفتح * و رأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك و استغفره انه كان توابا * ) )فكان تقدير الله سبحانه وتعالي لبعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأميين الحكمة البالغة فالدول ذات السلطان القوي تأذ الدعوات بشدة و غالبا ما لا يتم دخولها في الإسلام إلا بأن تقهر قوتها و جيوشها التي تعتمد عليها وإنما كان الأمر بفضل الله سبحانه و تعالي في دخول العرب في الإسلام كما ذكرنا من داخلهم والله اعلي و اعلم،

قال: في الحالة السياسية قد ذكرنا حكام العرب والآن آن لنا أن نذكر جملة من أحوالهم السياسية فالأقطار الثلاثة التي كانت مجاورة للأجانب كانت حالتها السياسية في تضعضع و انحطاط لا مزيد عليه فقد كان الناس بين سادة و عبيد أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت