فقد بنى المعتزلة آراءهم في أصول الدين على العقل واستخدموا المنطق وعلم الكلام، فغلبت النزعة العقلية على مباحثهم العقدية، ورغم أنهم لعبوا دورًا إيجابيًا في مقارعة عقائد المجوس واليهود والنصارى والزنادقة وغيرهم، لكنهم صرفوا طاقاتهم العقلية في (الجدل) في نطاق (الميتافيزيقيا) فيما لا طائل تحته، كما أنهم أشغلوا الأمة بـ (المحنة) التي أضرت بالفقهاء والمحدثين حيث ضرب بعضهم بالسياط كالإمام أحمد ابن حنبل، ونفي آخرون عن العراق في زمن المأمون والمعتصم.
والواقع أن الالتحام بين السلطة والمعتزلة زمن المأمون والمعتصم، والواثق أدى إلى موجة من الإرهاب الفكري، وخنق حرية الرأي.
وقد يبدو ذلك متناقضًا مع سعة أفق المأمون وعمق ثقافته التي خَفَّفت - دون شك - من العنف مع خصوم المعتزلة، لكن هذه الضوابط العلمية تحطمت في خلافة المعتصم الذي لم يكن متضلعًا بالثقافة العقلية، بل كانت قابلياته مكتسبة من احتكاكه المباشر برجالات البلاط العباسي من قادة وساسة وعلماء، حتى إنه وصف بالأمية.
ومن ثَم كانت أحداث العنف ضد مخالفي المعتزلة نتيجة رغبة المعتصم في تنفيذ سياسة المأمون التي تنتصر للمعتزلة، وإذا لاحظنا التأييد الواسع الذي كان يحظى به المحدثون ببغداد من جماهير الأمة آنذاك، أدركنا مدى الأثر الأليم الذي تركته سياسة السلطة في اضطهاد المحدثين والفقهاء، وهو أثر يمتد إلى أجيال المحدثين التالية التي قرأت أخبار المحنة أو سمعتها.
ولا شك أن ذلك جعلها تعيش في أجواء نفسية مفعمة بكراهية المعتزلة، فإذا أضفنا إلى هذا العامل النفسي التناقض الواضح بين