بوقت في الليل، وإلا أتى بها قبل صلاة الصبُّح، وما كان يترك الصُّلاة ما دام عقله عليه، ولقد رأيته - قَّدس الله روحه - يصلّي في مرضه الذي مات فيه قائمًا، وما ترك الصلاة إلا في أيام الثلاثة التي تغيّب فيها ذهنه وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلّى [1] .
3.الزكاة: وأما الزكاة، فإنه مات - رحمه الله تعالى - ولم يحفظ ما وجبت به عليه من الزكاة وأما صدقة النَّقل فإنها استنفدت جميع ما ملكه من الأموال، فإنه مَلَك ما ملك ومات ولم يخلّف في خزانته من الذَّهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهمًا ناصرية، وجُرمًا واحدًا ذهبًا صُوريًا، ولم يخلفَّ مُلكًا ولا دارًا ولا عقارًا ولا بستانًا ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئًا من أنواع الأملاك، رحمة الله عليه.
4.صوم رمضان: فإنه كان عليه منه فوائت بسبب أمراض تواترت عليه في رمضانات متعَّددة، وكان القاضي الفاضل قد تولّى ثبت تلك الأيام، وشرع - رحمه الله - في قضاء تلك الفوائت ذلك بالقدس الشَّريف في السّنة التي توفي فيها، وواظب على الصَّوم مقدارًا زائدًا على شهر، فإنه كان عليه فوائت رمضانين، شغلته الأمراض ومُلازمة الجهاد عن قضائها وكان الصَّوم لا يوافق مزاجه، فألهمه الله تعالى الصَّوم بقضاء الفوائت [2] فكان يصوم وأنا أُثبتُ الأيام التي يصومها، لأن القاضي كان غائبًا، والطبيب يلومه وهو لا يسمع، ويقول: (لا أعلم ما يكون) فكأنه كان مُلهمًا ببراءة ذمته - رحمة الله عليه - ولم يزل حتى قضى ما كان عليه [3] .
5.وأما الحج: فإنه كان لم يزل عازمًا عليه، وناويًا له، سيما في العام الذي توفي فيه، فإنه صَّمم العزم عليه، وأمر بالتأهب وعُملت الرَّفادة ولم يبق إلا المسير، فاعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت، وفراغ اليد عما يليق بأمثاله، فأخَّره إلى العام المستقبل، فقضى الله ما قضى، وهذا شيء اشترك في العلم به الخاصُّ والعام [4] .
(1) سيرة السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي ابن شداد ص 58.
(2) المصدر نفسه ص 59.
(3) المصدر نفسه ص 59.
(4) سيرة الناصر صلاح الدين لابن شداد ص 59.