فهرس الكتاب

الصفحة 605 من 676

عكا قد ضعفت ضعفًا شديدًا واشتد الخناق بالمسلمين في داخلها، وهدمت مجانيق الصليبيين جزءًا من سورها وتخلخل جزء آخر وأنهك التعب والسهر أهل البلد لقلة عددهم وكثرة أعمالهم وفي 7 جمادي الآخرة/2 تموز أرسلت الحامية رسالة جاء فيها: إنا قد بلغ منا العجز إلى غاية ما بعدها إلا التسليم، ونحن في الغد، إن لم تعملوا معنا شيئًا نطلب الأمان ونسلمَّ البلد ونشتري مجرد رقابنًا [1] . كان هذا الخبر من أعظم ما وقع على المسلمين، لأن عكا كانت مخزنًا كبيرًا لسلاح الساحل وبيت المقدس ودمشق وحلب ومصر، وفيها كبار أمراء صلاح الدين، مثل سيف الدين على بن أحمد الهكاري المعروف بالمشطوب وبهاء الدين قراقوش [2] . ثم أن الحامية اتخذت فعلًا قرارًا بوقف القتال، وذهب سيف الدين على المشطوب بنفسه إلى المعسكر الصليبي لمقابلة الملك الفرنسي والاتفاق معه على شروط التسليم. وذكر أن المسلمين كانوا إذا أخذوا بلدًا منهم، وطلب من بذلك البلد الأمان على أنفسهم أعطوهم وعرض عليه تسليم البلد له بشرط أن يعطيهم الأمان على أنفسهم. إلا أن ملك فرنسا الذي كان بعيدًا كل البعد عن صفات الشهامة والمروءة التي كان صلاح الدين يتحلى بها، امتنع عن إجابة طلبه ورد عليه ردًا دل على وحشيته الأمر الذي أثار نخوة سيف الدين المشطوب، فأغلظ له في القول، وكان مما قال له: أنا ما نسلم البلد حتى نقتل بأجمعنا ولا يقتل واحد منا حتى نقتل خمسين نفسًا من كباركم. ثم انصرف عنه المشطوب ودخل عكا يستشير الناس للجهاد وبذل أرواحهم في سبيل الله [3] .

وعلى الرغم من ذلك التعنت من ملك فرنسا، فإن الصليبيين كانوا بلا شك يحسبون للقوة الإسلامية حسابًا كبيرًا بدليل ما ذكره ابن الأثير من أن الصليبيين لم يكتفوا بالتفاوض مع قادة الحامية الإسلامية بعكا، بل أنهم اتجهوا كذلك إلى مفاوضة صلاح الدين نفسه، حيث أرسلوا إليه في أمر التسليم، فأجابهم إليه على أن يطلقوا من بعكا من المسلمين، ويطلق هو من أسراهم بعدد من في البلد [4] .

2 -صلاح الدين يحث المسلمين بعكا على الصبر: ومهما يكن من أمر فإن صلاح الدين لما رأى ذلك التعنت من الصليبيين أرسل إلى من

(1) النوادر السلطانية ص 185 تاريخ الأيوبيين ص 185.

(2) النوادر السلطانية ص 252 تاريخ الأيوبيين ص 185.

(3) النوادر السلطانية ص 168 صلاح الدين والصليبيون ص 265.

(4) الكامل في التاريخ نقلًا عن صلاح الدين والصليبيون ص 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت