فوفّاه الله تعالى الوصية، فكانت له بسيد الأولّين والآخرين أسوة، وإن تردّى عن ردء العمر فله من حُلل البقاء في عليين كسوة، ولأنه لم يبقى في مدّة حياته عملًا صالحًا إلا قدّمه ولا عهدًا في الجنة إلا أحكمه، ولا عَقدًا في البّر إلا أبرمه، فإن صنائعه في الرقاب، وأوقافه على سُبُل الخيرات متجاوزة على الحساب لا سيما أوقافه لفكاك أسرى المسلمين إلى يوم الحساب، وأعان طلبة الشافعية والمالكيّة عند داره بالمدرسة والأيتام بالكتُاَّب والخيرات الدارّه على الأيام، فكانت له حياة ثانية إلى يوم البعث وإعادة حياة الأنام إلى أن قال: والسلطان رحمه الله - أي صلاح الدين - من مفتتحات فتوحه ومختتماتها، مبادئ أمور دولته وغاياتها، ما افتتح الأقاليم إلاّ بأقاليد آرابه وآرائه، ومقاليد غِناه وغََنائه [1] .
ثانيًا: الحافظ السلفي: هو الحافظ أبو الطاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد السَّلفي الأصبهاني [2] وهو من علماء المشارقة الذين هاجروا إلى مصر واستقروا بالإسكندرية ونفع الله بهم نفعًا عظيمًا في نشر مذهب أهل السنة.
1 -قدومه إلى الإسكندرية: نزل السَّلفي الإسكندرية سنة 511هـ وكان عمره قد بلغ السادسة والثلاثين عامًا وكان تجمع لديه خبرات واسعة وحصل على علم وفير، وبلغ من النضج الفكري والتخصصي في ميدان علم الحديث مبلغ العلماء المتخصصين، فهو قد رحل إلى بلاد كثيرة، فأتيح له أن يلتقي بأعداد كثيرة من العلماء وكبار المحدثين أتقن على أيديهم الرواية وقواعد التحديث وعلوم المصطلح، وانتخب من كتبهم كثيرًا من المختارات الجيدة والفوائد النادرة، ونسخ بخطه السريع الأجزاء الكثيرة [3] وكان أيضًا ذا خبرة وتجربة في الكتابة والتأليف فقد سبق له أن ألف معجمًا لشيوخه في أصبهان، ومعجمًا آخر لشيوخه في بغداد [4] . وكانت له دراية سابقة بالتحديث والتعليم، فهو قد زاول ذلك فعلًا في أوائل سنة 492هـ في بلده بأصبهان، .. وكذلك أثناء إقامته في دمشق حيث اشتغل بالتدريس من سنة 509هـ إلى 511هـ ولم تكن ثقافة"السلفي"حين قدومه مقتصرة على الحديث وحده، وإنما كان أيضًا
(1) المصدر نفسه ص 348.
(2) وفيات الأعيان (1/ 225) الحافظ أبو الطاهر السلفي ص 16.
(3) سير أعلام البنلاء نقلًا عن الحافظ أبو الطاهر السلفي ص 16.
(4) أبو الطاهر السلفي ص 96.