وهاتان مدرستان من جهة القضاء، إذا نظر الإنسان إلى ذلك وسبر أقوالهم يجد أنهم يتشابهون في أمور القضاء في هذا الباب، كما روى عبد الرزاق في كتابه المصنف ذلك عن معمر بن راشد عن قتادة بن دعامة السدوسي في قضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما ما يتعلق بمعرفة الحلال والحرام فإنهم يتباينون في هذا، والكلام في هذا مما يطول جدًا، ولكن ثمة قواعد أغلبية في هذا الأمر ينبغي ضبطها قبل الولوج في مسألة مدارس الأئمة الأربعة عليهم رحمة الله. يكاد يتفق العلماء أن المدينة هي العمدة وعليها المدار، وأن العمل في أهل المدينة أقوى وأمتن من عمل غيرهم، وإنما يختلفون في حجية هذا العمل، وسبب ذلك أن الشريعة كتابًا وسنةً إنما أنزلها الله عز وجل على نبيه في المدينة، وأن ما خرج من ذلك من الوحي على رسول الله شيء قليل، إما شيء في مكة، وإما شيء بين ذلك، أو في بعض غزوات النبي عليه الصلاة والسلام كتبوك ونحو ذلك، وأما مجموع ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام من المفصل من معرفة الحلال والحرام، فإنه كان في المدينة. كذلك ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام في مسائل الحلال والحرام، وكذلك ما جاء عن الصحابة فإن مجموعهم في المدينة، لهذا ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يتبصر وأن يتفقه في مسائل الدين أن يعرف مواضع الأحكام من كلام الله، وهذا أعلى مراتب الفقه أن يكون بصيرًا بمواضع الأدلة من القرآن، وهي ما يسميه العلماء بآيات الأحكام في كلام الله، وكلام الله عز وجل -كما لا يخفى- هو على ثلاثة أنواع: توحيد بأنواعه وحلال وحرام، وقصص، والحلال والحرام هو ما يتعلق بأمور الفقه؛ لهذا ينبغي للإنسان أن يكون عارفًا بالأدلة من كلام الله، فلا يناسب أن يستدل أحد بشيء من الآثار أو بشيء من المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن الدليل ظاهر بيّن في كلام الله عز وجل، وهذا نوع من القصور عند العلماء.