فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 58

ومعرفة الاختصاص ومردها ومآلها في ذلك إلى كثرة ووفرة المروي في هذا، لهذا نقول: إن الإمام مالكًا رحمه الله من جهة إدراك عمل أهل المدينة هو أكثر الأئمة الأربعة إدراكًا لمعرفة عمل أهل المدينة؛ وذلك لأنه عمل معهم وورث العمل عنهم، ولهذا تجد الإمام مالكًا رحمه الله قلما يقع لديه الخطأ فيما يتعلق بالعمل التعبدي اليومي، في العمل التعبدي باعتبار أنه يتكرر، وأن ما يروى عنه مما يخالف الأدلة تجد أنه من الأعمال الحولية بما يتعلق مثلًا ببعض الأعمال، أو ما كان بعيدًا عنه مما يتعلق بأحكام المناسك، كما يروى عنه في مسألة الرمل والاضطباع، أو في بعض الأمور الحولية مما يتعلق مثلًا بصيام ستة أيام من شوال، وغيرها من الأحكام الشرعية، أما ما كان من العمل اليومي فعمل الإمام مالك رحمه الله هو أقوى من غيره، وذلك أن تردد العمل وتردد عمل الإنسان في يومه وليلته يظهر فيه البيان لدى الإنسان، فإنه إذا لم يره اليوم رآه غدًا خاصة فيما يتعلق بأمور الصلاة، ولهذا أقوى فقه الإمام مالك رحمه الله هو في اليوميات، وهو ما يتعلق بالصلوات الخمس والسنن الرواتب وقيام الليل، ويليه ما يتعلق بأمور العقود والمعاملات؛ لأنها تظهر في أحوال الناس وتنقل، وغالب هذه الأمور تؤخذ نقلًا ولا تؤخذ نصًا، وإن قل النص المرفوع عند الإمام مالك رحمه الله مقارنة بغيره، فالمرفوعات المنقولة عن الإمام أحمد رحمه الله عن النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك الشافعي هي أكثر عن مالك مع أن مالكًا هو مدني، وهو في بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإمام مالكًا رحمه الله قوى العمل وجعل العمل مفسرًا ومبينًا للنص، فاعتمد عليه. ولا نقول: إن وجود النصوص لدى الإمام مالك من جهة الأصل أقل من غيره، بل لديه نصوص واكتفى بالبينات الفاصلة في هذا الباب، ولهذا نقول: إنه ينبغي للإنسان أن يعتني بفقه الإمام مالك رحمه الله على نحو هذا التسلسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت