لهذا وجب على الإنسان أن يتقي وأن يحذر من البدع المحدثة، وحذره من البدع المحدثة لا يمكن أن يتحقق إلا بمعرفة الحق، فإن الإنسان لا يتوقى الباطل إلا وقد عرف الحق وسلكه، ولا يمكن للإنسان أن يسلك الحق إلا بمعرفته بحدوده وحدود الباطل الذي يحده عن يمينه وشماله، فالحق البيّن الظاهر يتنازعه كثير من الناس استيعابًا، فمنهم من يعرف كثيرًا منه، ومنهم من يعرف بعضه، ويختلف الناس في ذلك قلة وكثرة، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير قال: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس) ، قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يعلمهن كثير من الناس) إشارة إلى أن الكثير أو الأكثر لا يعلمون أمثال هذه المواضع، ومردها إلى أهل العلم، وما قال: لا يعلمها الناس؛ لأن الأصل في الشريعة أنها بيّنة محكمة، وأن البيان والإحكام هو الأصل في الشريعة، وأن جهل الإنسان بالمتشابهات لا يجعله مخيرًا باتباع ما يشاء منها، باعتبار عدم وجود علم بيّن فيها، وهذا الفيصل فيه في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) . هذه الشريعة وهذه الحدود تبين طريقة اليمين، وهي الحلال، وطريقة الشمال وهي الحرام، وما كان خليطًا بين ذلك مما يشتبه على الإنسان وتردد بينه، والبينية في ذلك قد تقرب وتدنو من الحلال، وقد تقرب وتدنو من الحرام بحسب القرائن المحتفة بها، إما أن يكون ذلك مبنيًا على أصل والأصل في ذلك الحل، أو الأصل في ذلك التحريم، أو وجود شيء يشتبه بين الأمرين فيتنازعه الطرفان، فيشكل على الإنسان معرفة ذلك، ويدخل في هذا كثيرًا هوى النفس ورغباتها بتسويل شيء من المعاني فيميل الإنسان إليها.