عبد المنعم بن الفرس في خبائه , وقدر أن سمعنا عليه والحمد لله , قال أبو القاسم: فشاهدت من أبي محمد عبد المنعم من الذكاء والإدراك ما لم
أعهد من غيره , ورأيت مناظرات أُخر وكأني لم ألق قبله أحدًا" [1] ."
ومما يدل على ذكائه: وسرعة بديهته , ودقة فهمه , ما ذكره ابن عبد الملك من أنه كان يحضر مجالس العلم عند الخليفة المنصور فإذا وقعت مسألة غريبة وشاذة , اجتهد العلماء القول فيها، فإذا انتهوا من أقوالهم واستقصى الخليفة ما لديهم , تقدَّم أبو محمد بن الفرس فقال: بقي فيها كذا وكذا , فيأتي على ما كان المنصور قد أعدَّه للظهور بينهم [2] .
وقد تَوَلَّى ابن الفرس القضاء بعدة مدن في الأندلس"فولي القضاء بجزيرة شَقْر [3] , ثم بمدينة وادي أَش [4] , ثم بجَيَّان [5] , ثم بغَرْنَاطَة , ثم"
(1) ينظر: الذيل والتكملة السفر الخامس ص 61.
(2) ينظر: المرجع السابق ص 62 بتصرف يسير.
(3) شَقْر: بفتح أوله وسكون ثانيه , تقع في شرق الأندلس بين شَاطِبَة وبَلَنسِية , وهي حسنة البقعة كثيرة الأشجار والثمار والأنهار يغذيها نهر شَقْر.
ينظر: معجم البلدان (3/ 401) , ونزهة المشتاق (2/ 556) , والروض المعطار في خبر الأقطار ص 349.
(4) وادي أَش: بالفتح والشين مخففة , وربما مدت همزته , تقع شمال شرقي غَرْنَاطَة على بعد 60 كم منها , سقطت في يد الأسبان سنة 895 هـ قبل تسليم غَرْنَاطَة بعامين , وما زالت مدينة وادي أش في منعتها القديمة فهي تقع من الشرق على نهر وادي أش ومن الغرب على صخرة منيعة عالية تشرف على واديها الأخضر , وهي مدينة زراعية وصناعية معًا , وتُعدُّ من مراكز الثقافة الدينية في شرق الأندلس؛ إذ يوجد بها معهد ديني كبير.
ينظر: معجم البلدان (1/ 234) , والروض المعطار في خبر الأقطار ص 604 , والآثار الأندلسية الباقية في أسبانيا والبرتغال ص 215.
(5) جَيَّان: بالفتح ثم التشديد وآخره نون , من أهم مدن الأندلس , تقع في شرقي قرطبة على نهر الوادي الكبير وتدعى اليوم (خاين) , استولى عليها الأسبان سنة 641 هـ , وهي من المدن الأندلسية القديمة التي مازالت تحتفظ بطابع خاص من ملامحها الأندلسية , ويرتسم هذا الطابع بوضوح في خططها وشوارعها وطراز منازلها.
ينظر: معجم البلدان (2/ 226) , والآثار الأندلسية الباقية في أسبانيا والبرتغال ص 221.