فأما من جهة اللفظ؛ فإن الفصاحة فيه مُتواترة مطردة، بخلاف كلام المخلوق؛ فإنك تراه إلى الاختلاف ما هو، فيأتي بالفصل من الكلام الجزل الفصيح، فلا يكاد يختمه إلا وقد عرض له في أثنائه ما يغض عليه من منصب فصاحته، وهكذا تجد القصيدة الواحدة، منها ما يكون على نسق الفصاحة اللائقة، ومنها ما لا يكون كذلك.
وأما جهة المعنى؛ فإن معاني القرآن على كثرتها أو على تكرارها بحسب مقتضيات الأحوال على حفظ وبلوغ غاية في إيصالها إلى غايتها، من غير إخلال بشيء منها، ولا تضاد، ولا تعارض، على وجه لا سبيل إلى البشر أن يدانوه، ولذلك لما سمعه أهل البلاغة الأولى والفصاحة الأصيلة - وهم العرب -؛ لم يعارضوه، ولم يغيِّروا في وجه إعجازه بشيء مما نفى الله تعالى عنه، وهم أحرص ما كانوا على الاعتراض فيه والغض من جانبه؛ ثم لما أسلموا وعاينوا معانيه وتفكروا في غرائبه؛ لم يزدهم البحث إلا بصيرة في أنه لا اختلاف فيه ولا تعارض، والذي نقل من ذلك يسير، توقّفوا فيه توقف المسترشد، حتى يرشدوا إلى وجه الصواب، أو توقف المتثبت في الطريق" [1] ."
هذا مجمل ما ذكر الشاطبي عن الاختلاف في التفسير.
(1) الاعتصام (2/ 307) .