فهرس الكتاب
اتجاهات، وسأبين هذه الاتجاهات مع مناقشة كل اتجاه، ثم اتبع ذلك ببيان القول الراجح منها، فأقول مستعينة بالله:
الاتجاه الأول: يرى أصحابه أن هذه الحروف مما استأثر الله بعلمه، ولا يجوز لأحد الخوض في معانيها. وحجتهم في ذلك ما يلي:
أولًا: أن هذه الحروف لم يرد فيها بيانٌ عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - فلا يُقطع فيها بشيء، فضلا عن كون هذه الحروف مخالفة لبقية كلمات القرآن من ناحية نطقها، ومن ناحية عدم وضوح معنى محدد لها [1] .
ثانيًا: ما ورد عن بعض الصحابة والتابعين من الآثار التي تؤيد كونها مما خفي علمه عن العباد واستأثر الله بعلمه. فمن ذلك:
-قول أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -"في كل كتاب سِرٌّ، وسر الله تعالى في القرآن أوائل السور".
-وقول علي - رضي الله عنه -"لكل كتابٍ صفوةٌ، وصفوةُ هذا الكتاب حروف التَّهَجِّي".
-وقول ابن عباس"عجزت العلماء عن إدراكها".
-وروي عن عمر وعثمان وابن مسعود - رضي الله عنهم - أنهم قالوا:"الحروف المقطعةُ من المكتوم الذي لا يُفَسَّرُ."
وقال داود بن أبي هند [2] :كنت أسأل الشعبي عن فواتح السور فقال: يا داود إنَّ لكل كتابٍ سِرًّا، وإن سِرَّ القرآن فواتح السور، فدَعْها وسل عما سوى ذلك [3] .
ثالثًا: الاختلاف الواقع بين الأقوال الواردة في تحديد معناها وصل إلى حد الاضطراب والتناقض، وهذا يؤدي إلى إسقاط هذه الأقوال جميعها، ويكون
(1) ينظر: فتح القدير للشوكاني (1/ 29) .
(2) داود بن أبي هند دينار القُشيري مولاهم أبو بكر أو أبو محمد البصري. رأى أنس بن مالك، وروى عن سعيد بن المسيب، كان ثقة متقنًا، توفي سنة 140 هـ. ينظر: تهذيب الكمال (8/ 462) .،تقريب التهذيب (200) .
(3) تنظر هذه الأقوال في: تفسير السمرقندي (1/ 47) ،والوسيط، للواحدي (1/ 75) ،وزاد المسير (1/ 20) ،تفسير البغوي (1/ 44) ،وتفسير أبي السعود (1/ 20) ،روح المعاني للألوسي (1/ 100) .وغيرها.