فاختلاف أهل السنة إنما كان في الاجتهاديات من أمور الأحكام، أو فرعيات المسائل الملحقة بالعقيدة مما لم يرد به دليل قاطع، وذلك:
كمسألة اللفظ بالقرآن - التي سبق ذكرها - ومسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه في المعراج، هل كانت بصرية أو قلبية؟ ومسألة رؤية الله تعالى في المنام , ومسألة ابن صياد هل هو الدجال الذي يخرج في آخر الزمان أو غيره؟ ونحو ذلك من المسائل المختلف عليها ولم يرد الدليل صريحًا فيها وألحقها العلماء بموضوعات العقيدة لأنها تندرج في جنسها علميًا وموضوعيًا لا عقديًا.
وهذه الأمور ونحوها ليست من أصول الاعتقاد والخلاف فيها دائر مع النصوص لم يقل فيها السلف برأيهم المحض - والله أعلم -.
ومردُّ ذلك - أي اتفاق السلف - إلى أمور كثيرة منها:
1 -اعتصامهم بحبل الله جميعًا.
2 -أن مصدرهم وأحد هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بخلاف أهل الأهواء، فإنهم تعددت مصادرهم من القول بالرأي فيما لا تدركه الآراء والتعويل على العقليات فيما لا طاقة للعقول به، والأخذ عن الفلاسفة والأمم الهالكة وقد نهوا عن ذلك.
3 -أن اعتقادهم ابتداء يقوم على التسليم لله تعالى وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، بخلاف أهل الأهواء فإنهم لم يسلموا ولم يذعنوا، وإن ادعى بعضهم ذلك؛ لأن مقضى التسليم التزام ألفاظ الشرع.
4 -أنهم انتهوا عما نهى الله عنه، فلم يخوضوا في الغيبيات، ولم يقولوا على الله بغير علم، ولم يجادلوا ولم يماروا ولم يؤولوا بخلاف أهل الأهواء فقد ارتكبوا جميع هذه المنهيات.
5 -أنهم تلقوا الدين بالاهتداء، والاقتداء والاتباع على بصيرة، فقد أخذوا الدين عن العدول الثقات بدليله.
فالصحابة أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتابعون أخذوا عن الصحابة، وهكذا حمل هذا الدين من كل خلف عدوله، ومن كل جيل ثقاته، ومن كل عصر علماؤه.